• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

Blog single photo

 

 

انتخابات المغرب

قراءة في خسارة حزب العدالة والتنمية

سياقات ودلالات ومآلات

 

 

تقدم هذه الورقة قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية المغربية، وتحاول فهم واستنتاج أسباب تراجع حزب العدالة والتنمية الحاكم، كما تحاول الورقة فهم سياقات ودلالات تلك الهزيمة، وقراءة مدى انعكاس وتأثير هذه النتائج سياسيا، سواء على صعيد المغرب كدولة أو المغرب العربي والمنطقة العربية عموما، وكذلك على مستقبل معسكر أحزاب الثورات العربية والأحزاب السياسية الإسلامية، وتأثير تلك النتائج على القضية الفلسطينية والعلاقات المغربية الفلسطينية، وعلى مسار تطبيع المغرب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، محاولين الوصول واستنتاج المطلوب عربيا على مستوى أحزاب معسكر الثورات والأحزاب السياسية الإسلامية، وفلسطينيا على مستوى علاقات البلدين.

 

الباحث: عمار رباح الدلو

20 سبتمبر 2021


 

توطئة:

تمثل الانتخابات والديمقراطية شكلا من أشكال تداول السلطة والحكم، وقد كان لما عرف باسم "الربيع العربي" عام 2011 دورا في دخول كثيرا من الدول لهذا المضمار، بغض النظر أكانت عن رغبة من السلطات الحاكمة أو دُفعت لهذا الخيار دفعا لامتصاص عدوى غضب الشارع في تلك الفترة، كانت المغرب ممن تأثر بموجات "الربيع العربي" حينها في فبراير 2011، أعقبها إصلاحات ودستور جديد في يوليو 2011، ثم انتخابات برلمانية في نوفمبر 2011 تصدر بها حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي بـ 107 مقعد وبفارق كبير عن الحزب الثاني، وقد شكل الحزب حكومة بقيادة أمينه العام عبد الإله بن كيران بعد أن ظل لأكثر من عقد في عداد المعارضة غير المؤثرة، لكن وفي عام 2016 تصدر الحزب الانتخابات البرلمانية مرة أخرى، وحصد 125 مقعد، لكنه لم ينجح لأشهر في تشكيل الحكومة لعدة أسباب، وما لبث أن كلف الملك سعد الدين العثماني ليشكل الحكومة بدلا من بن كيران، الأمر الذي أحدث شرخا داخل الحزب بدأ يتسع مع الوقت.

نتائج الانتخابات المغربية:

تنافس المغاربة في 8 سبتمبر 2021 على 395 مقعدا برلمانيا، بمشاركة 31 حزبا وقرابة 18 مليون ناخب مسجل، بلغت نسبة التصويت في الانتخابات 50.35%، حل فيها حزب العدالة والتنمية([1]) الحاكم في المرتبة الثامنة بـ 13 مقعد فقط، في حين حصد حزب التجمع الوطني للأحرار([2]) 103 مقعد، وحزب الأصالة والمعاصرة 86 مقعدا، وحزب الاستقلال 81 مقعد، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 35 مقعد، وحزب الحركة الشعبية 29 مقعد، وحزب التقدم والاشتراكية 21 مقعد، وحزب الاتحاد الدستوري 18 مقعد، وتوزعت بقية المقاعد على أحزاب متبقية، وقد كلف الملك المغربي محمد السادس في 10 سبتمبر 2021؛ الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش([3]) بتشكيل الحكومة الجديدة.

لماذا تراجع العدالة والتنمية؟:

كان تراجع حزب العدالة والتنمية متوقعا وحتميا، وأنه لن يستمر بحيازة الأغلبية أو يشكل الحكومة، لكن أن يتراجع ليصل للمرتبة الثامنة وأن يحصل على 10% من المقاعد التي حصل عليها قبل خمس سنوات، فيعتبر سقوطا مدويا وليس تراجعا فقط، وكانت النتائج صادمة للجميع، ولم تكن هذه النتائج في حسبان أيٍ من الباحثين، وهنا تتزاحم عشرات الأسئلة، أبرزها هل ثمة أسباب لهذه الخسارة أو الانتكاسة أم أنها مؤامرة دبرت ضد الحزب؟ وإن كان لهذه النتيجة أسباب فما هي أبرزها، وعليه فإنني في الأسطر القادمة أسوق عددا من الأسباب التي أعتقد أنها ساهمت بشكل أو بآخر في وصول الحزب لهذه النتيجة:

أولاً: التصويت العقابي:

عاقب الناخب الحزب والحكومة على أدائها في الفترة الماضية، فأي حزب في الحكومة يخوض الانتخابات فإن التصويت يكون غالبا على الأداء السابق له؛ وليس بالضرورة على مبادئه أو دعايته الانتخابية؛ خاصة إذا كان الحزب قد تحصل على فرصة جيدة، ورأى المواطن أنه لم يحسن استثمارها، فالمواطن المغربي لم يشعر بتغير اقتصادي ملموس فترة حكم حزب العدالة والتنمية، فنسبة البطالة التي كانت في 2011 9.1% وفي 2014 10% وفي 2019 9.2% أضحت في العام 2020 11.9% وفي 2021 إلى 12.8%، صحيح أن جزء من ذلك تداعيات أزمة كورونا، لكن الأمر أثر ولو بشكل أقل على رغبة الناخب في تكرار التجربة مع الحزب بعد 10 سنوات من توليه رئاسة الحكومة.

شاركت الطبقة الوسطى في التصويت العقابي، وهي التي كانت قد منحت الحزب سابقا تفوقا برلمانيا، إذ كان لبعض قرارات الحكومة تأثير في هذا التصويت، إذ تضررت هذه الطبقة بشكل مباشر عبر رفع الدعم عن المواد الأساسية، وتفاقم مشكلة المدرسين المتعاقدين وصندوق التقاعد، وتخبط الحكومة بقرارات وإجراءات مكافحة كورونا، والتي أثرت بشكل مباشر على هذه الطبقة، في المقابل كان ترميم الطبقة الوسطى محور الدعاية الانتخابية للأحزاب الأخرى في هذه الانتخابات.

ثانياً: الخلافات الداخلية وفقدان الهوية:

عصفت بالحزب عددا من الخلافات الداخلية في الخمس سنوات الأخيرة أثرت على شعبية الحزب وعلى قاعدته الانتخابية، كان أبرزها استبعاد الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بن كيران بطريقة فظة وبدعم من الملك، بعد سحب تكليف تشكيل الحكومة من بن كيران وإسناده للعثماني في 2017 بعد تعثر تشكيل الحكومة، وكان لهذا السلوك بالغ الأثر على أعضاء الحزب وقاعدته الجماهيرية، وقد راهن العثماني خلال فترة قيادته للحزب على استمالة الدائرة الملكية، عبر التماهي مع الملك وتوجهاته في الشأن الحكومي، وتناسى الحزب أو اعتبر أن القاعدة الشعبية محسومة ومضمونة، لكن تبين أنها كانت تتآكل مع مرور الوقت.

تفاقمت الخلافات بعد ذلك واعترض قواعد وكوادر الحزب وبعض قيادة الحزب [عبد الإله بن كيران، مصطفى الرميد/ وزير/ قدم استقالته في يونيو 2021] على آلية إدارة الأمانة العامة للحزب، وقد ساهم ظهور الأمين العام للحزب بمظهر الضعيف أمام الملك وتوقيعه اتفاق التطبيع، بالتأثير سلبا على مشاركة القواعد والكوادر والمناصرين في الانتخابات.

بدا الحزب بممارساته الحكومية وكأنه متناقض مع ذاته ومبادئه، أو فاقد للهوية أو عاجز عن التغيير، بخلاف ممارساته السابقة فترة وجوده في المعارضة، فتم تشريع استخدام القنب الهندي للأغراض الطبية "أدى ذلك لإعلان بن كيران قطع علاقته بالحزب"، وتوقيع أمينه العام لاتفاق التطبيع بعد أن كان سقف الحزب عاليا في هذه القضية، وكذلك تعزيز اللغة الفرنسية في التعليم "الفرنسة"، ويضاف لذلك أن الحزب لم يحمل برنامج سياسي وانتخابي واضح وقوي في الانتخابات الأخيرة.

يذكر أن نسبة المشاركة في انتخابات 2016 كانت 43%، بينما في 2021 تجاوزت 50% وخسر فيها العدالة والتنمية؛ وهذا له دلالة، ففي الوقت الذي تخلفت فيه قواعد الحزب ومناصريه عن التصويت؛ حشدت الأحزاب الأخرى قواعدها، وقد كان لتزامن الانتخابات المحلية والجهوية والبرلمانية تأثير في هذا الحشد عموما.

ثالثاً: قيود الدولة العميقة والسياق الإقليمي:

تعرف الدولة العميقة([4]) في المغرب بـ "المخزن"، يرى كتاب أن "المخزن" معني بإزاحة حزب العدالة والتنمية عن المشهد السياسي أو تدجينه، وقد خسرت الدولة العميقة رهانها سابقا بتصدير حزب الأصالة والمعاصرة في مواجهة العدلة والتنمية لإزاحته، لكن سلوك الحزب في الدورة الانتخابية الأخيرة وتماهيه مع الملك ودائرته وعدم استخدام الحكومة لصلاحياتها الدستورية نجحت في تدجين الحزب أو إظهاره بصورة المدجن، وساهم في ذلك الأدوات الإعلامية وحملة التشويه المرافقة لزلات الحزب وحكومته، وعقب النتائج الأخيرة يمكن القول بأن الدولة العميقة نجحت إلى حد ما بانفضاض القواعد الشعبية عن الحزب، وفي إزاحته وتصدير حزب التجمع الوطني للأحرار المقرب من الملك، ولا يمكن إغفال الحضور القوي لمُنافسه حزب التجمّع الوطني للأحرار بقيادة أخنوش، وبما يملكه من أموال، وتأثير على الاعلام الاجتماعي، والذي وجه له اتهامات باستخدام المال السياسي في شراء الأصوات، وهو ما عبر عنه حزب العدالة والتنمية قبيل الانتخابات في تبريره قلة مرشحيه في الانتخابات بأن مرشحيه ومسؤولي قوائمه تعرضوا للابتزاز بالمال السياسي.

لم يكن السلوك السابق وحده يكفي، بل سارت الدولة في المسار القانوني لضمان النتائج، فطُرح تعديل القانون الانتخابي بمارس 2021، والذي رفضه حزب العدالة والتنمية وصوت ضده في البرلمان، القانون المعدل يتجاهل العتبة الانتخابية "نسبة الحسم" ويعتمد حصة كل مقعد "القاسم الانتخابي" بناء على أعداد المسجلين وليس الأصوات الصحيحة، ثم بعد ذلك توزيع المقاعد على أكبر البواقي، وهذا التعديل غريب الأطوار يصب في صالح الأحزاب الصغرى والمتوسطة، ويشتت المقاعد ولا يعطي الأحزاب وزنها الحقيقي، لكن وعلى الرغم من ذلك فإن نتائج الانتخابات لم تختلف كثيرا بحق الأحزاب الصغيرة، وربما بعض الاختلاف في المتوسطة، لكن يمكن القول بأن التعديل في القانون الانتخابي ربما ساهم في زيادة حصة العدالة والتنمية، كونه أصبح من الأحزاب الصغيرة أساسا، ولولا تعديل "القاسم الانتخابي" لربما حاز العدالة التنمية على مقاعد أقل.

ثمة سياق إقليمي لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاوزه، وهو مرتبط في رغبة تحالف عربي في الإقليم بإنهاء ما سمي بالربيع  العربي ومفرزاته، وهو ما جرى في دول الربيع العربي تدريجيا، كان آخرهما ما جرى في تونس في يوليو 2021، كل هذا الحراك يدفعه خشية الدولة العميقة والنظم القديمة من سريان الديمقراطية وتداول السلطة، وعليه لا بد من إقصاء بطريقة أو بأخرى للأحزاب المتصدرة عقب تلك الحراكات الشعبية، والتي كان في معظمها الإسلامية وجاءت بسياسات وبرامج لا تعجب تلك النظم، لذا حرصت تلك النظم على عدم تقديم أيا من هذه التجارب أنموذج ناجح، لا سيما أنهم في المغرب وتونس أخذوا فرصة كان من الممكن أن تثمر أو أن تستثمر بشكل أفضل، وبغض النظر عن المبررات الممكن استحضارها في فشل/إفشال مشروعهم أو طموحهم، فإن ذلك له تأثير وإن لم يكن بشكل كبير وقوي، ولربما تضافر التوجه الخارجي مع السخط الداخلي للناخب جاء بهذه النتائج.

وبالرغم من الأسباب المتعددة التي سيقت أعلاه، والتي يمكن اعتبار تضافرها كان جزءا من هذه الخسارة المدوية للعدالة والتنمية، لكن ثُلة معتبرة من المحللين والأكاديميين السياسيين؛ لا يرون تحليلا وتفسيرا متسلسلا ومنطقيا لما حدث مع العدالة والتنمية، وقد يكون رأيهم خاضع لرغبات سياسية أو تحليل وتقدير منطقي أو أنهم وقعوا تحت تأثير الصدمة، والناخب فاجأهم جميعاً.

وعلى كل الأحوال فإن تداول السلطة علامة صحية، تشير لحالة التدافع داخل المجتمع، ما لم يكن خلف الستارة ما يسير المشهد ويحركه، كما أن من حق الناخب أن يختار ممثليه بناء على رغباته السياسية والخدمية، وبغض النظر عن توجهات الأحزاب الأيديولوجية، فالناخب ينظر في البرامج السياسية ويقدر مصلحته ومنفعته في السياق الوطني، ويبقى على الأحزاب أن تقنع الناخب بما لديها وبموثوقية طرحها وقدرتها على تحقيقه.

الانعكاس على مستقبل الربيع العربي:

تعتبر تجربة المغرب العربي في التغيير تجربة مميزة ومختلفة، إذ تدارك الملك محمد السادس الأمر وتفهم حراك الشارع وحاجته للتغيير باكرا، لكن وكأن الإصلاحات لم تكتمل إذ بقي القضاء والأمن والخارجية والدفاع بيد الملك، لذا ظلت الحكومة مقيدة ولا صلاحيات واسعة بيدها، وكأنه لا مكسب سياسي يمكن العمل من خلاله، كما أن الأحزاب الجديدة لم تتمكن من التغيير وسلوك مسار مختلف عن توجهات الملك ورغباته رغم اتاحتها دستوريا.

ويمكن هنا طرح عدة أسئلة.. هل لانتكاسة تجربة المغرب أو لتراجع حزب العدالة والتنمية تأثير على المنطقة، خاصة بالنسبة لدول المغرب العربي؟ وكيف يمكن ملاحظة انعكاس/آثار ذلك على المستوى الداخلي للمغرب وعلى المستوى المغرب العربي والعربي؟

أولاً: تصدع الأحزاب:

تسرب عدد من منتمي الحزب، أو حدوث انشقاقات داخل الحزب نتيجة الفشل في إدارة الحزب والحفاظ على تماسكه أو على القاعدة الشعبية، الأمر الذي قد يمثل انهيار للحزب إذا ما نظرنا للأمر من منظور سلبي، وقد يشجع ذلك الأحزاب المتشكلة بعد الثورات أو الإسلامية في الإقليم وتحمل نفس الفكر والأيديولوجيا إلى التجرؤ واتخاذ خطوة الانشقاق.

وإذا نظرنا للأمر من منظور إيجابي، فإنه قد يفسح فرصة كبيرة لأحزاب وليدة تتبنى أفكارا وأساليب جديدة، وربما تتمكن هذه الأحزاب الطامحة أو المصلحة من أخذ زمام المبادرة في التغيير، وتجاوز أخطاء تجربة الأحزاب الأم، والوصول لحالة من اقناع الشارع والناخب، وتحسين فرصها على المنافسة واقتطاع جزء من القاعدة الجماهيرية للأحزاب الأم التقليدية وغيرها.

وهذين المسارين ليسا الوحيدان وليسا إجباريان، إذ من الممكن سلوك مسلكا بينيا يقوم على مراجعات تنظيمية وبنيوية وسياسية للأحزاب وأدائها فترة وجودها في الحكم، والوقوف على أسباب فشل التجربة وسياقاتها، لتقدم طرحا جديدا يقنع الناخب، ويقدم حالة تجديدية من واقع تجربة حكم.

ثانياً: تعزيز "الثورة المضادة":

سقوط العدالة والتنمية أو أحزاب الثورة عموما، وتصدر الأحزاب الموالية للنظم القديمة بهذه الطريقة، يضفي مصداقية وواقعية على رواية "الثورة المضادة" ومؤيدوها؛ بأن الثورات جلبت الويلات للشعوب، وأن تجربتها لم تكن ناجحة، كما أن الأم في كثير من الحالات يأخذ بعداً أيديولوجيا بترويج رواية أن الشارع هو من يرفض ويلفظ الإسلاميين أو الاخوان وفكرهم وأحزابهم، وأن التغيير المأمول والموعود من هذه الأحزاب مجرد دعاية لأحزاب منفصلة عن واقع التجربة السياسية، وما يعززه ضعف إدارة حزب العدالة والتنمية للحكومة "الائتلافية"، وضعف حزب النهضة في تونس بالرغم من إتاحة الفرصة أمامهما حتى وإن كانت منقوصة، كل ذلك يجعل الحديث بهذه الفكرة مقبولا ومستساغا وله صرة بالواقع.

يمكن القول أن ما سمي بـ "الربيع العربي" بات اليوم وراء ظهور أباطرة الثورات المضادة، وبغض النظر عن الدور الذي لعبته تلك الأطراف في انحسار مسار التحول الديمقراطي وتراجع/ سقوط حزب العدالة والتنمية، فإنه مظاهر التشفي والاحتفال كانت واضحة، وكان لدورهم في المنطقة انعكاس على المغرب، بالإضافة للأسباب الموضوعية الأساسية التي تم ذكرها آنفا.

وبالنظر لتجارب الإقليم والدول العربية، فإنه من غير المتوقع أن ينتهي المطاف بالاكتفاء بانهيار الحزب، ويبقى احتمالا قائما وله وزنه، أن يفتح انهيار الحزب شهية الجهات الأمنية والقضائية في المغرب، وتتوجه لفتح ملفات فساد لوزراء أو عاملين سابقين في حكومة العدالة والتنمية، ليتم القضاء أو تقويض فرص الحزب المستقبلية كما تم القضاء على فرصه الحالية، بل من المتوقع أن تلقى هذه الخطوة دعما وتأييدا شعبيا؛ بغض النظر عن نزاهتها وشفافيتها.

لكن ثمة خصوصية للمغرب العربي وتجربته مع الأحزاب السياسية الاسلامية، إذ انتهج المغرب العربي مسلكا ومسارا مختلفا عن المشرق العربي في التعامل مع تلك الأحزاب، فلم يصل لحد الاستئصال منذ الربيع العربي، وإنما كان ضمن نهج الاحتواء، أو الإقصاء بدكتاتوريات ناعمة، وقد نجحت فيه نظم المغرب العربي سواء في المغرب أو الجزائر أو تونس، وهذا السلوك والطرح يضعف فرضية الذهاب بعيدا في الإجراءات لكنه في نفس الوقت لا ينفيه.

التداعيات على القضية الفلسطينية:

تقيس الدول انعكاسات الأحداث عليها في بيئة التأثر والتأثير السياسي، ومن حق كل دولة أن تعمل بما يتوافق مع مصالحها، وأن تقيس الأحداث من منطلق التأثير عليها وعلى مصالحها، وعليه فنحن كفلسطينيين ننظر للأحداث بمدى تأثيرها على القضية الفلسطينية، ويتبادر لذهننا عدة أسئلة لنحاول الاجابة عليها.. هل سيساهم هذا التغيير في تعزيز القضية الفلسطينية؟ وكيف ستؤثر خسارة الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" وتشكيل حكومة جديدة على مسار التطبيع الذي بدأ في المغرب نهاية العام المنصرم؟ وكيف ستتأثر علاقة المكونات الفلسطينية بالمغرب؟

أولاً: مسار التطبيع:

تُجمع كل المكونات الفلسطينية على رفض التطبيع مع "إسرائيل" بصفتها دولة احتلال، وكذلك فإن المبادرة العربية للسلام والمقرة في قمة بيروت 2002، وافقت على تطبيع العلاقات بعد تقديم حل عادل للقضية الفلسطينية على أساس مبدأ حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، وبالرغم من ذلك فإن أربع دول عربية دخلت مسار التطبيع خلال العام 2020؛ بدوافع ومبررات مختلفة سيقت حينها، لكن الأكيد أن هذا التطبيع له بالغ الأثر السيء على مكانة القضة الفلسطينية ومركزيتها وعروبتها لدى الأنظمة العربية الرسمية، بالرغم من تأكيدهم على استمرار الوقوف بجانب الحق الفلسطيني.

لم يكن مسار التطبيع رغبة الحكومة المغربية التي كان يتزعمها العثماني أمين حزب العدالة والتنمية ولا خيارها، ولكنه كان مسارا سياسيا خطه الملك رغبة منه في نيل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وما يدين العثماني وحكومته وحزبه أنه وافق على أن يكون في الواجهة ويوقع على الاتفاق.

وعلى كل حال فإن توجه الملك بالنسبة للعلاقة مع "إسرائيل" لن يختلف عما كان عليه، بل إن مسار التطبيع ما يزال قيد التطوير، خاصة مع زيارة وزير الخارجية "الإسرائيلي" يائير لبيد للرباط في أغسطس 2021 وتوقيع عددا من مذكرات التفاهم الثنائية والاتفاقيات.

ومما يعزز هذا التوجه وجود رئيس حكومة ليبرالي صديق للملك ومقرب منه، ويتكامل مع الملك في توجهاته وسياساته، بالإضافة لتصعيد الجزائر لهجتها وإجراءاتها السياسية بقطع العلاقات مع المغرب، واستمرار الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، كل ذلك يوصلنا إلى تقدير مفاده أن مسار التطبيع مع الاحتلال والاتفاقات الناتجة عنه ستتصاعد وستتطور، وسيكون الجانب الاقتصادي والسياحي والزراعي والأمني والتكنولوجي أهم ما يمكن أن يتوصل له الأطراف بالخصوص.

ثانياً: مستقبل العلاقة مع السلطة والفصائل:

التوجهات السياسية المغربية لن تحيد عما أعلنه الملك من تمسك المغرب بمبدأ حل الدولتين، فتغير الحزب الحاكم أو الحكومة المغربية لن يأتي بجديد تجاه القضية الفلسطينية، وستبقى العلاقة الرسمية بين المغرب والسلطة الفلسطينية في سياقها الاعتيادي والطبيعي، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن السياسة الخارجية بيد الملك، وهو من يختار وزير الخارجية في الحكومة.

لكن في ذات السياق من المتوقع أن تنعكس التغيرات في المغرب بشكل سلبي على مستقبل العلاقة مع فصائل المقاومة، سواء على الصعيد الرسمي للدولة، أو على صعيد علاقة فصائل المقاومة بالأحزاب المغربية، وربما تشهد حالة من الفتور وعدم الاكتراث، خاصة إذا ما وضعنا في عين الاعتبار أن الأحزاب المتصدرة [حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال] بمجموع 270 مقعد كانت قد باركت التطبيع وخطوة الملك، وأكدت في ذات الوقت على مبدأ حل الدولتين ونصرة القضية الفلسطينية، وهي بذلك لم ولن تخرج عن سياق السياسة العامة للملك سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي والخطابي، بل إن بعض الأحزاب([5]) رشحت يهودا مغاربة وثيقي الصلة بالتطبيع ضمن قوائمها الانتخابية.

وعليه فإن مستقبل العلاقة الرسمية مع المغرب على مستوى السلطة ستشهد ثباتا سلبيا، أم على صعيد فصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس فربما تشهد تراجعا وتقييدا أو فتوراً، ولن تكون العلاقة بفصائل المقاومة أو حركة حماس تحديدا أولوية لدى المغرب وحكومتها، لكن ربما تحظى ببعض الاهتمام في فترات متباعدة وفقا للظروف السياسية والموضوعية حينها، واستثمار المغرب للعلاقة كرافعة سياسية.

فرص وآفاق فلسطينية متوقعة في المغرب:

في ظل بيئة عربية رسمية متراجعة سياسيا، وانشغال المستوى الشعبي بهمومه وتطلعاته، والمغرب ليست بدعا من الدول، بل ينطبق عليها هذا الأمر، فيتبادر لدينا سؤال أساس هل من فرصة لدينا على المستوى الفلسطيني الرسمي والشعبي لنحظى بدعم دائم ولفت انتباه إخواننا العرب؟

بكل تأكيد مهما كان المنظر قاتما فلا بد من فرصة؛ أو لنقل فرص يمكن اغتنامها واستثمارها والعمل عليها، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فرسميا المغرب تدعم تطلعاتنا السياسية بسقف الشرعية الدولية وإن كان السواد الأعظم والأعم من الشعب الفلسطيني يرفض ذلك، إلا أنه الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبله الفلسطينيون مرحليا والحد الأعلى للأنظمة العربية سياسيا، أما على المستوى الشعبي العربي فيمكننا كفلسطينيين تلقي دعما لتطلعاتنا السياسية بشكل لا محدود رغم أنه قد يكون مقيد وغير مؤثر.

أولاً: على المستوى الرسمي:

يمثل ترأس المغرب للجنة القدس فرصة ومدخلاً هاماً في تعزيز العلاقة بالمغرب، من خلال إدامة التواصل والبرقيات والمراسلات الرسمية مع المغرب والديوان الملكي للملك وكذلك مع شخص الملك، سواء من المؤسسات الرسمية للسلطة الفلسطينية أو من قبل فصائل المقاومة، والحرص على إدامة اطلاع الملك بشكل دوري وبتقارير موثقة على تجاوزات الاحتلال تجاه القدس والمقدسيين، ليضطلع بدوره تجاه هذا الملف.

وفي تقديري أننا كفلسطينيين يجب أن نسبق هذا التوجه بخطوة سياسية، يتم فيها التوافق فلسطينيا على خطة وطنية لمواجهة الاحتلال ومخططاته في القدس، تشمل إجراءات سياسية رسمية ومقاومة شعبية بهدف كبح جماح وطموح توسع الاحتلال في القدس، وتعزيز صمود المقدسيين أمام تسارع وتيرة التهويد للمدينة المقدسة.

ثانياً: على المستوى الشعبي:

تمثل حالة الرفض الشعبي للتطبيع مدخلاً هاما، إذ يمكن من خلاله تعزيز العلاقة بالمؤسسات والجمعيات الرافضة للتطبيع، وإدامة التواصل معها بشأن الأنشطة والفعاليات، سواء التواصل بصورة رسمية أو عبر المؤسسات المناهضة للتطبيع، وهذا ولا شك يخدم القضية الفلسطينية ويجنب أي انزلاق شعبي في التطبيع، بالنظر إلى أن المغرب أصبحت بيئة منافسة سياسية بيننا كفلسطينيين وبين الاحتلال، لكن فرص عملنا ونجاحنا أضعاف فرص الاحتلال، بالإضافة للرفض الشعبي للاحتلال وهي نقطة في صالحنا.

ومن الممكن في السياق السياسي أن تنسج الفصائل الفلسطينية علاقات مع الأحزاب المغربية والنخب والمؤثرين، وحدُها الأدنى المراسلات والاتصالات الرسمية، والتي تساهم في تعزيز وإدامة حضور القضية الفلسطينية على مستوى النخب والأحزاب بكوادرها.

الخلاصة:

مثلت خسارة حزب العدالة والتنمية انتكاسة جديدة لمسار الثورات أو ما عرف بالربيع العربي ولتجربة الأحزاب السياسية الإسلامية، ويمكن القول إن عوامل سياسية وقانونية ذاتية وموضوعية ساهمت في ذلك، وبصرف النظر عن ذلك فإنه كان من المفترض أن تقدم أحزاب الثورات وتحديدا الإسلامية منها بديلا سياسيا مقنعا، أو تجربة حكم مميزة وفريدة، لا أن تكرس سياسات الحقب المنصرمة أو تتماهى معها، ولا يبدو في القريب فرص كبيرة وعظيمة أمام أحزاب ثورات الربيع العربي أو الأحزاب السياسية الإسلامية، إذ سيتطلب الأمر إصلاحات سياسية وبنيوية وتنظيمية تستغرق وقتا ليس بالقليل، لتتمكن من إيجاد فرصة مواتية يمنحها لهم الناخب أو عليها يعيد ثقته لهم.

ترميم حالة أحزاب الثورات أو الأحزاب السياسية الإسلامية؛ يتطلب جهدا فكريا وسياسيا وتنظيميا بنيويا لإنتاج وإنضاج بديلا مقنعا يثق فيه المواطن، ويجد فيه ضالته الوطنية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والكاريزمية، لتجد تلك الأحزاب مكانة في الخارطة السياسية الجديدة، وعيله لا بد لأحزاب معسكر الثورات أنت تراجع أفكارها وسلوكها وسياساتها وبنيتها التنظيمية ومساراتها وأدواتها التي أوصلتها لهذه النتيجة، وتقدم رؤية وبرنامج جديد يكون نتاج جهد فكري لدراسة وقراءة التجارب والواقع، بما يوائم تطلعات الشعوب وحاجاتهم، وبأدوات تمكنهم من المناور في الواقع وتتغلب عليه لا أن تتساوق معه كما حدث.


 

المراجع:

ü    أحمد بن الطاهر، الرباط.. حزب يرشح رئيس "صداقة المغرب وإسرائيل" بالانتخابات المحلية، موقع وكالة الأناضول على ويب، 18 فبراير 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3zgErA2

ü       الحرة، زيادة نسبة البطالة في المغرب إلى 9.4 بالمئة، موقع الحرة على ويب، 5 نوفمبر 2012، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://arbne.ws/3zhycM4

ü    تمارا حداد، انتخابات المغرب 2021.. تحظى أن تكون درسا للغير، موقع معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية على ويب، 10 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3zbEtJm

ü    خالد مجدوب، المغرب.. البطالة تصعد إلى 11.9 بالمئة خلال 2020، موقع وكالة الأناضول على ويب، 3 فبراير 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3lzLXRu

ü    رأي اليوم، من ستَكون الغلبة في الانتِخابات البرلمانيّة المغربيّة غدًا.. لحزب الملياردير أخنوش صديق الملك أم للعدالة والتنمية الإسلامي أم أنّ حزب الاستِقلال سيَخْلِق المُفاجأة؟ ولماذا يتَوقّع مُعظم المُراقبين فوز الأوّل؟ وهل التّطبيع كان الضّربة شِبه القاضية التي قد تُؤدِّي لخسارة الثّاني؟، موقع رأي اليوم على ويب، 7 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3EntS1N

ü    عادل الزبيري، العاهل المغربي يكلف أخنوش بتشكيل الحكومة الجديدة، موقع العربية نت على ويب، 10 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3lASk7n

ü    فرانس 24 / FRANCE 24 Arabic، المغرب: ما أسباب هزيمة "العدالة والتنمية"؟، قناة فرانس 24 على يوتيوب، 9 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3tKL1xx

ü    قناة الجزيرة AlJazeera Channel، سيناريوهات- التجارب الإسلامية في الحكم.. ما أسباب التراجع؟ وما فرص العودة؟، قناة الجزيرة على يوتيوب، 16 سبتمبر 2021، شوهد في 17 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3nF2gz4

ü    قناة الغد Alghad TV، النواب المغربي يناقش تعديل قوانين الانتخابات.. ما أبرز النقاط الخلافية بين الأحزاب السياسية؟، قناة الغدة على يوتيوب، 2 مارس 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3kgMFnt

ü    قناة الحوار Al Hiwar TV، حزب العدالة والتنمية المغربي يدخل في دوامة خلافات بعد تراجع شعبيته، قناة الحوار على يوتيوب، 10 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/39fx3ua

ü    نبيل زكاوي، الانتخابات المغربية في مرحلة ما بعد هيمنة حزب العدالة والتنمية: السياقات والتوقعات، موقع مركز الجزيرة للدراسات على ويب، 7 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3keowxN

ü    BBC، الانتخابات المغربية 2021: هزيمة كبيرة للإسلاميين، فماذا حدث؟، موقع BBC عربي على ويب، 9 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bbc.in/3tLTZuk

ü    BBC، المغرب: لماذا تلقى حزب العدالة والتنمية هزيمة انتخابية قاسية؟، موقع BBC عربي على ويب، 9 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bbc.in/39hYseE

ü       BBC، محطات في حكم الملك محمد السادس للمغرب، موقع BBC عربي على ويب، 30 يوليو 2019، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bbc.in/3CjfuFP

ü       DW، بعد عقدين من الحكم.. محمد السادس المصلح المتحفظ، موقع DW على ويب، 31 يوليو 2019، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3tObquj

ü       Mustapha Swinga officiel، شرح القاسم الانتخابي، 18‏ مارس 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3nH82QS

ü    SPUTNIK عربي، المغرب... وزير يقدم استقالته من حزب "العدالة والتنمية" بعد خلاف مع العثماني، موقع SPUTNIK عربي على ويب، 11 يونيو 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3zh5Y4h

ü    SPUTNIK عربي، محللون يكشفون أسباب الهزيمة الساحقة لحزب العدالة والتنمية بالمغرب، موقع SPUTNIK عربي على ويب، 11 سبتمبر 2021، شوهد في 12 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3EmFAcV



([1]( تصدر الحزب في نتائج انتخابات 2016 بـ 125 مقعد، وشكل الحكومة حينها.

(([2] حصل على 37 مقعد في انتخابات 2016، وشارك في حكومة العثماني بحقائب المالية والتجارة والزراعة والسياحة، ويعتبر الحزب لبرالي يمين الوسط وحزب النخبة والبرجوازية كون معظم كوادره رجال أعمال.

([3]) صديق الملك ومقرب منه، وهو رجل أعمال وملياردير وعليه قضايا فساد مالي، وشغل منصب وزير الفلاحة والصيد في حكومة العثماني.

([4]) لا تزال الدولة العميقة تتحكم في المشهد السياسي المغربي، ولا تزال الأمور الجوهرية والسياسات والتوجهات والرؤى للدولة بيد الملك.

([5]( حزب الأصالة والمعاصرة، والذي حصل على الترتيب الثاني في الانتخابات بـ 86 مقعد برلماني.


��انتخابات المغرب.. قراءة في خسارة العدالة والتنمية.. سياقات ودلالات ومآلات.pdf
Top