• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

الدور المصري بعد العدوان الإسرائيلي 2021: السياقات والدلالات

Blog single photo

 الدور المصري بعد العدوان الإسرائيلي 2021: السياقات والدلالات

الباحث / ربيع  ابو حطب
مقدمة:

بعد مضي أكثر من (100) يوم على مبادرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتقديم مصر مبلغ (500) مليون دولار لصالح عملية إعادة الإعمار بعد العدوان الأخيرة على غزة مايو/ أيار 2021.  تعبر المبادرة ذات دلاله متقدمة حول الدور المصري الذي اقتصر في السنوات الأخيرة على أمور متعلقة بالشأن الداخلي الفلسطيني، وإدارة المفاوضات غير المباشرة بين المقاومة في غزة وإسرائيل. ما يقودنا للتساؤل عن دلالة التحرك المصري المتسارع ومدى تعزيزه لمكانتها الإقليمية. 

لعبت مصر طوال تاريخ الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، دور رئيسي بفعل الجغرافيا السياسية وتطلعاتها الأمنية، لكنه خضع لهزات متعددة نتيجة عوامل داخلية مرتبطة بمصر كالثورات، وأخرى خارجية مرتبطة بالفلسطينيين وانقسامهم السياسي من جهة، وإسرائيل وتطلعاتها الإقليمية من جهة أخرى.        

 

 

الدور المصري في صراع مستمر

 

في ظل تعثر مكانة مصر الإقليمية في السنوات التي تلت الربيع العربي وانشغال النظام بالمشكلات الداخلية خاصة الاقتصادية منها، والذي ترافق مع بروز قوى سياسية ذات تأثير إقليمي متنامي كتركيا وقطر خاصة فيما يتعلق بقضايا فلسطينية. بالإضافة إلى السعودية والإمارات المتطلعتان للعب دور في المشهد الإقليمي، ناهيك عن التغلغل الإيراني المتسارع والذي أصبح أكثر تأثيراً في أربع عواصم عربية.

بالرغم من ذلك، يبقى الصراع الاسرائيلي- الفلسطيني الأهم بالنسبة للنظام المصري لارتباطه المباشر في البعد القومي لها، خاصة في ظل وجود علاقات مع إسرائيل نظمتها اتفاقية السلام 1979 وعلاقات مع فلسطين– السلطة الفلسطينية وحركة حماس.

 

 

في ضوء المعادلات التي فرضتها إشكاليات المنطقة وأزماتها وتطورات الصراع الإسرائيلي– الفلسطيني، شهد الدور المصري تذبذب ما بين الصعود والهبوط، إلا انه حافظ على إدارته لملف المصالحة الفلسطينية الداخلية والمفاوضة مع الاحتلال، بالرغم من التدخلات العربية والاقليمية في القضية الفلسطينية، إلا أن النظام المصري استطاع من بين كل الاطراف التوصل لإبرام صفقة تبادل الأسرى 2011، وهو ما يؤهله لأن يلعب دوراً ريادياً في إدارة ملفات قطاع غزة مع إسرائيل.

 

مؤشرات تعاظم الدور المصري بعد العدوان الأخير

 

وقف إطلاق النار:

 

بعد أحداث حي الشيخ جراح بالقدس التي انطلقت شرارتها في 13 أبريل/ نيسان 2021، وبدء العدوان العسكري على قطاع غزة 10مايو/ أيار 2021 بعد قيام المقاومة الفلسطينية بقصف عدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية رداً على استهداف أحياء وباحات المسجد الأقصى، تحرك العالم لوقف العدوان الإسرائيلي، خاصة الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الديمقراطي جوزيف بايدن، والتي أجرت (8) اتصالات دولية لوقف التصعيد في غزة ، أهما الاتصالات التي جرت بين بايدن- السيسي.

يبدو أن بايدن أقر بقدرة النظام المصري على وقف إطلاق النار بين المقاومة وإسرائيل، حيث أنها توسطت في كافة الاعتداءات السابقة. يأتي تحول رأي بايدن في الرئيس المصري، الذي وصفة في دعايته الانتخابية بـ (الديكتاتور المفضل لترامب).  وبعد وقف إطلاق النار الذي أعلنته مصر، عبر بايدن عن موقفه الجديد بـ "امتنان صادق للرئيس السيسي ووعده بالبقاء على اتصال وثيق" .

نتجت هذه التحولات بعد صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته أمام العدوان العسكري الاسرائيلي، التي أثرت بشكل مباشر في إجراء اتصالات بين الإدارة الجديدة والنظام المصري، ليصبح النظام المصري هو الرابح الأبرز من جولة التصعيد الأخيرة.

 

دعم مالي (مبادرة السيسي):

 

أظهر العدوان الاخير تغيراً  كبيراً للنظام المصري الذي رعا كافة اتفاقات وقف إطلاق النار، والذي تمثل بإعلان مبادرة لإعمار قطاع غزة بعد العدوان، حيث أعلن الرئيس المصري عن تقديم (500) مليون

 

 

دولار، رغم أن النظام يعاني من أزمات اقتصادية يحاول معالجتها من خلال المساعدات الخارجية والقروض من البنك الدولي التي بلغت في الخمس سنوات الأخيرة (20 مليار دولار) .

بالإضافة إلى ذلك، لم تناقش المبادرة آليات الإعمار في ضوء الحصار المفروض من قبل إسرائيل، خاصة على مواد البناء والتطوير، بالإضافة إلى أن الإعلان جاء متزامناً مع العدوان، دون وجود أفق تنفيذية.

 

إرسال معدات هندسية وعمال:

 

في سياق التحرك المصري المتسارع والإعلان عن الدعم المالي لإعادة الإعمار، أرسل النظام بعد إعلان وقف إطلاق النار الأطقم هندسية وعُمال وآليات مصرية وصلت قطاع غزة وبدأت بإزالة ركام المباني التي دمّرها الجيش الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير على قطاع غزة.  المعدات المصرية وعددها (52) وعدد (85) فرداً من المهندسين والفنيين والعاملين والسائقين ، يتبعون لشركة مصر سيناء الاستثمارية والتي تم تأسيسها بنسبة 51% لجهاز الخدمة الوطنية في القوات المسلحة .

 

تعاظم الوساطة المصرية:

 

رغم مدة العدوان المحدودة نسبياً مقارنة بالاعتداءات السابقة على قطاع غزة، تحديداً عدوان 2014 الذي استمر (51) يوماً، كان لافتاً ارتفاع وتيرة اللقاءات والاجتماعات المصرية بكافة أطراف الصراع، بالإضافة إلى الاتصالات الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة.

بعد وقف إطلاق النار بعشرة أيام، أرسل النظام المصري وفد رفيع المستوى برئاسة اللواء عباس كامل إلى قطاع غزة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، وقام كامل بعد اللقاءات مع قيادة حركة حماس وفصائل المقاومة بزيارة المواقع المتضررة من القصف الإسرائيلي والمنطقة المزمع إقامة المدينة السكنية المصرية الجديدة عليها.

ونتيجة تعنت إسرائيل بتنفيذ التفاهمات إعادة الإعمار وملف الحصار التي توصلت إليها المقاومة مع إسرائيل برعاية مصرية، بدأت بعض المجموعات الشبابية بممارسة المقاومة السلمية على الحدود مع قطاع غزة، والتي أدت إلى مقتل "قناص إسرائيلي". فكان رد إسرائيل بقصف مواقع عسكرية تابعة لحركة حماس في قطاع غزة مساء السبت 21 أغسطس/ آب 2021 .

ورداً على القصف الإسرائيلي، استمرت المقاومة السلمية على الحدود، فما كان من النظام المصري إلا أن يغلق معبر رفح في كلا الاتجاهين اعتباراً من يوم الاثنين 23 أغسطس/ آب 2021، دون إبداء أسباب من

 

 

قِبل النظام المصري رسيماً. غير أن هناك مصادر أمنية مصرية صرحت بأن سبب إغلاق المعبر بعد تصعيد يوم السبت بين إسرائيل وحماس .

رغم تعاظم الدور المصري بعد العدوان الأخير على المستوى الدبلوماسي، إلا أنه لم ينتج أي تقدم على المستوى الأمني والاقتصادي، فالقصف الإسرائيلي وتشديد الحصار تزايد بعد العدوان وفق معادلة "التفاوض تحت النار"، وعندما استأنفت المقاومة السلمية بكافة أدواتها، أغلق النظام معبر رفح، مما يجعلنا نتساءل عن حقيقة التصريحات المصرية بشأن الإعمار وتقديم الدعم المالي، وهو السبب الذي خرج من أجله الشباب في قطاع غزة على الحدود.

في ذات السياق، يتطلع النظام إلى لعب دور محوري في إحياء عملية التسوية السياسية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد الإعلان عن زيارة بينت المرتقبة لمصر . غير أن هذا الدور محدود بسياسات الولايات الأمريكية وباشتراطات الاحتلال. وهو ما أكد عليه طارق فهمي في إمكانية التوصل إلى توافقات مع إسرائيل "قد تقبل إسرائيل بأنصاف حلول وأشباه خيارات في ملفات الاقتصاد والمال والاستثمار وغيرها وفق مصالحها المباشرة في هذه الاطار".

رغم تعاظم الدور المصري، إلا أنه يعمل وفق المتغيرات الحالية، بالإضافة إلى تطلعات الدول الكبرى في المنطقة، فقد ذكرت وحدة الدراسات الروسية، بأنه لم يعد لدى مصر نفوذ يذكر في المناطق العربية الساخنة كـ ليبيا، وسورية . وهو ما يجعل القضية الفلسطينية ذات اهتمام عالي لدى النظام السياسي المصري، لما تمثله من أداة تدخل في القضية الفلسطينية بفعل موقعها الجغرافي من جهة، وعلاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى.

يعمل النظام المصري مع تعقيدات القضية الفلسطينية وملفاتها المتعددة دبلوماسياً وأمنياً، بناءً على أطراف تلك الملفات والقضايا؛ فعلى المستوى الاحتلالي، تدير ملف المفاوضات بين "المقاومة" وإسرائيل من جهة، وتبحث عن مكانة جديدة في عملية التسوية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بتوجهات من الإدارة الأمريكية. أما على المستوى الفلسطيني، فهي تدير ملف المصالحة واللقاءات بين الفصائل الفلسطينية، وتجمعها علاقات مع كافة التيارات الفلسطينية كالتيار الإصلاحي الذي يقوده محمد دحلان. كل ذلك، يعزز من مكانة مصر فلسطيناً ودولياً، في ضوء دور مصري متباين دولياً وحاضراً فلسطينياً.

 

 

الخلاصة:

 

بات من الواضح أن مؤشرات تعاظم الدور المصري بعد العدوان الإسرائيلي 2021، حققت نتائج إيجابية في تعزيز مكانة النظام المصري فلسطيناً نتيجة الارتباطات التاريخية والجغرافية. وهو ما أهلها لأن تلعب دوراً محورياً بعد إشادة جوزيف بايدن بالدور المصري في وقف إطلاق النار ومحاولة تثبيت التهدئة بين "حماس" وإسرائيل، والقبول الإسرائيلي للوساطة المصرية.

بالإضافة إلى ذلك، تبنى النظام المصري سياسة دعم مادي لأول مرة لإعادة إعمار قطاع غزة بعد الاعتداء الأخير، وحاول النظام تأكيدات تعاظم دورة بالوساطة التي يقودها بين "المقاومة الفلسطينية" وإسرائيل، بعد فرضه لشروط التهدئة من خلال إغلاق معبر رفح. وبالرغم من ذلك، يخضع النظام المصري إلى الاشتراطات الإسرائيلية والدولية في عمليه إعادة الإعمار، والتي تحكمها توافقات دولية كـ مؤتمرات المانحين وإن عقدت في القاهرة.

إن طبيعة العلاقات الناظمة بين النظام المصري وفصائل المقاومة الفلسطينية بقطاع غزة، تتطلب إدراك تعقيدات الملفات التي يقودها النظام، والموائمة بين المتطلبات الفلسطينية من جمهورية مصر العربية كداعم للقضية الفلسطينية، والدور الذي يسعى النظام أن يحققه إقليمياً ودولياً وبالاعتماد على القضية الفلسطينية.


الدورالمصري ربيع.pdf
Top