• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

العدد 5 /2020م

Blog single photo



أولاً: أسئلة قانونية عن إعلان التحلل من كل الاتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي 

بقلم: د. محمود الحنفي

مركز الزيتونة للدراسات 

أعلن الرئيس الفلسطيني في 20/5/2020 أن منظمة التحرير الفلسطينية أصبحت في حلّ من أي اتفاق أو التزام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

1. ماذا يعني هذا الكلام قانونياً؟

2. وهل أن تصريح أو خطاب يكفي للتحلل من الالتزامات القانونية؟ أم أن ثمة إجراءات دستورية وأخرى إجرائية واجبة التطبيق؟

3. وهل هذه الاتفاقيات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي مرّت أساساً بالمسارات الدستورية؟

4. وهل يمكن إبرام اتفاق يتعارض مع الأحكام الآمرة للقانون الدولي كما هو الحال مع اتفاق أوسلو سنة 1993؟

5. وهل خطوة التحلل من الاتفاقات والبرتوكولات الملحقة (الملحق الاقتصادي والأمني) مع الاحتلال الإسرائيلي هي نهاية المطاف، أم أن هناك خيارات قانونية وديبلوماسية أخرى؟

لا شكّ أن قرار الرئيس محمود عباس بالتحلل من الالتزامات مع الاحتلال الاسرائيلي هو قرار هام جداً، حتى وإن كان متأخراً جداً. والأهم من ذلك هو البحث عن آليات تطبيقية فعالة. فالاحتلال الإسرائيلي استفاد من هذه الاتفاقيات، وأعمل آلته التوسعية والاستيطانية في جسد الضفة الغربية والقدس، حتى بقي للفلسطينيين فتات من الأرض بالإضافة إلى مئات الحواجز الثابتة والمتحركة، فضلا عن جدار الفصل العنصري وحصار قطاع غزة… .

وفي الوقت الذي طبق فيه الاحتلال قاعدة الالزام وليس الالتزام بالاتفاقيات، تمسك الطرف الفلسطيني بهذه الاتفاقيات وألزم نفسه بشكل دقيق.

إن خطاب الرئيس محمود عباس، بالرغم من أنه ليس الأول من نوعه، إلا أنه في إطار معالجتنا القانونية، يعد بمثابة إعلان التحلل الأولي من هذه القيود أو الاتفاقيات، لكن ثمة خطوات أخرى لا بدّ من اتباعها. وبما أن التوقيع على اتفاقية ما والمصادقة عليها يمر بخطوات (التوقيع، المصادقة، النشر في الجريدة الرسمية)، كذلك فإن التحلل من الالتزام يجب أن يمر بالطرق الدستورية نفسها. لكن هذا الأمر يتطلب دون شك تفعيل المؤسسات الدستورية هذه.

اتفاق هدنة أولاً وليس اتفاق “سلام”:

تميزت اتفاقات أوسلو بتضمنها نصوصاً عدة وحاسمة تتعلق بإنهاء حالة الحرب والانتقال إلى الحالة السلمية، وتحديد قواعد لتسوية المنازعات بين الطرفين بشأن تنفيذ تلك الاتفاقات.

وبغض النظر عن موقفنا الرافض لهذا الاتفاق، فإنه في الإطار القانوني، فقد كان الأصل أن يتم توقيع اتفاق هدنة أولاً، خصوصاً وأن منظمة التحرير الفلسطينية بما تمثله من حركة تحرر وطني هي في حالة حرب مع “إسرائيل”، كما جاء في ديباجة اتفاق أوسلو أنه “آن الأوان لوضع حد لعقود من المواجهات والصراع”، ثانياً توقيع مقدمات “السلام”، ثم ثالثاً توقيع اتفاق “سلام”. ما جرى هو الدخول مباشرة في مفاوضات “سلام”.

إن اتفاقات أوسلو التي هي معاهدات دولية متعلقة بـ”السلام” بوجه عام فيها من خصائص مقدمات السلام، وأيضاً من خصائص معاهدات “السلام”، الأمر الذي يجعلها معاهدات من نوع خاص (ذات ماهية مختلطة).

إن اتفاقات أوسلو يمكن اعتبارها نوعاً خاصاً من مقدمات “السلام”، يترتب على ذلك أنه إذا فشلت المفاوضات (وهي فشلت فعلاً منذ فترة بعيدة)، والتي كانت تهدف لعقد معاهدة “السلام”، فإن اتفاقات أوسلو باعتبارها من مقدمات “السلام” تعد لاغية وفقاً لقواعد القانون الدولي.

ولذلك فإن الحل الأفضل هو قطع مفاوضات التسوية المتعثرة، وإرجاع القضية الفلسطينية إلى أصلها بين شعبٍ تحت الاحتلال، وبين قوة احتلال غاشمة سيطرت على أرضه وهجرت شعبه؛ وبالتالي يستند الشعب الفلسطيني إلى حقوقه الطبيعية في أرضه وفي المقاومة والتحرير، وإلى ما منحه إياه القانون الدولي من استخدام كافة الوسائل الممكنة لاستعادة أرضه وتقرير مصيره وعودة لاجئيه، ومن الحق في الدفاع عن النفس، ومن عدم منح الاحتلال أي مشروعية على الأراضي المحتلة، وتحميله كامل المسؤولية الجزائية والمدنية.

الاعتراف المتبادل مصلحة في اتجاه واحد:

لقد تم الاعتراف بحق حركات التحرر الوطني في إبرام الاتفاقيات الدولية، ذلك أنها كيانات محاربة في نزاح مسلح ذو طبيعة دولية، أي النزاع المسلح بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني.

إن الأصل أن يتم الاعتراف بالشعب الفلسطيني كشعب له الحق في تقرير المصير، وليس مجرد الاعتراف بمن يمثله، أو الاعتراف بفلسطين كدولة خاصة بعد الاعتراف الواسع بها من قبل الجمعية العامة (119 دولة). لقد تجاهلت رسالة إسحق رابين Yitzhak Rabin القرارين 242 و338 بشكل كامل، هذا يعني أن “إسرائيل” ليست ملزمة بهما كقاعدة في العملية التفاوضية.

طبقاً للقواعد المُنظِّمة للاعتراف في القانون الدولي، نجد أن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بـ”الدولة الإسرائيلية” غير قابل للتراجع عنه، وذلك انطلاقاً من المادة 6 من اتفاقية مونتيفيديو Montevideo Convention لسنة 1933 التي تشترط عدم الرجوع عن الاعتراف بالدول، في حين أن اعتراف الحكومة الإسرائيلية يشبه إلى حد ما الاعتراف بالمجالس أو الهيئات الثورية، وهو اعتراف واقعي في أغلب الأحيان ويمكن التراجع عنه.

لم يتم المصادقة على اتفاقات أوسلو وفق القواعد الدستورية الفلسطينية:

ورد في النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية بشأن المجلس الوطني في المادة 7 من الباب الثاني “المجلس الوطني هو السلطة العليا لمنظمة التحرير، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها”

ويتضح من المادة الدستورية الخامسة عشر من النظام الأساسي أن اللجنة التنفيذية تنفذ قرارات المجلس الوطني، فهي بالتالي ليست المرجعية القانونية (في أي حال) للموافقة على اتفاق مصيري، لأن المرجع القانوني الوحيد هو المجلس الوطني الفلسطيني.

إن المؤسسات المختصة في “إسرائيل” كانت تقوم بمناقشة كل تفصيل في الاتفاقيات قبل التصديق عليها أول بأول، والملاحظ أن الكنيست والحكومة يحرصان كل الحرص ليس فحسب على بحث الاتفاقات والتصديق عليها، بل ووضع شروط لتنفيذ كل مرحلة، الأمر الذي يعني أن التصديقات ليست نهائية. وعلى الجانب الآخر، نجد أن السلطات المختصة الفلسطينية لم تصادق على الاتفاقيات الأساسية فحسب، بل لم تتعمق فيها ولم تناقش تفاصيلها الدقيقة.

المشكلة في اتفاقات أوسلو أنها في مجملها نصت على سريانها من تاريخ توقيعها أو بعد فترة من التوقيع، ولم تشترط التصديق الذي يستتبعه الإيداع. كما لم يتم تبادل وثائق التصديق بين الطرفين.

اتفاق أوسلو خالف قواعد قانونية آمرة:

إن أي معاهدة دولية تبرم خلافاً للقواعد الآمرة تعد باطلة بطلاناً مطلقاً من لحظة إبرامها، حتى لو كانت المعاهدة صحيحة وقت الإبرام ثم ظهرت قاعدة آمرة بعد ذلك متعارضة معها، بطلت هذه الآخرة ووجب انتهاء العمل بها.

لم يخالف الموقعون على وثائق اتفاقات أوسلو القانون الداخلي الفلسطيني فحسب، بل خالفوا أيضا ما تضمنه القانون الدولي من قواعد آمرة كان يتعين الالتزام بها؛ ومن أبرزها: مبدأ سمو ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد تسوية المنازعات الدولية، ومبدأ اختصاص المنظمة الدولية في إدارة عملية التسوية، ومبدأ علنية المفاوضات المتفرع عن مبدأ علنية الاتفاقات، وقاعدة التكافؤ في المعاهدات، ومبدأ نسبية الأثر الملزم عملها، وقاعدة بطلان التقسيم الإجباري للإقليم، ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، ومبدأ المساواة في السيادة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق الاسترداد، وقاعدة بقاء الشيء على حاله.


لم يتم تسجيل اتفاقات أوسلو في الأمم المتحدة:

أوجب ميثاق الأمم المتحدة، في المادة 102، ضرورة تسجيل المعاهدات الدولية: “كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء “الأمم المتحدة” بعد العمل بهذا الاتفاق، يجب أن يسجل في أمانة الهيئة، وأن تقوم بنشره بأسرع ما يمكن”؛ فالقاعدة هي أن تسجيل المعاهدات الدولية شرط للاحتجاج بها أمام أجهزة الأمم المتحدة.

لم يتم تسجيل الاتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل”، وهما الطرفان الرئيسيان كما تقرر قواعد إجراءات التسجيل، بل بواسطة الراعين والطرفين. ومناط التسجيل يعني النشر في المجلدات الخاصة بمجموعة المعاهدات الدولية، ولم يتم تسجيل كل الاتفاقات بل ثلاث منها فقط وليس الرئيسية منها، كما هو الحال مع اتفاق شرم الشيخ 4/9/1999، ومذكرة التفاهم واي ريفر (واي بلانتيشن) Wye River Memorandum 23/10/1998.

إن آلية تسوية المنازعات المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو تُحرِّم أو على الأقل تعرقل الاستفادة من واقعة التسجيل (فض المنازعات فقط من خلال لجنة الارتباط المشتركة وليس من خلال الآلية الدولية المعروفة).

إن عدم تسجيل الاتفاقات بشكل سليم يهدف إلى نزع أيَّ بُعدٍ دولي للقضية الفلسطينية، أو منح الطرف الفلسطيني فرصة الاستفادة العملية من مؤسسات الأمم المتحدة في فض هذه المنازعات.

ليت المفاوض الفلسطيني استمع بإنصات إلى المستشار القانوني فرانسيس بويل Francis Boyle.

خيارات قانونية وديبلوماسية:

لا شك أن توقيع اتفاقات أوسلو كان خطيئة بالمفهوم القانوني، وأنه ترك تشوهات مؤلمة في الأرض الفلسطينية المحتلة وبنية المجتمع الفلسطيني، في المقابل حقق الاحتلال مكاسب ميدانية كبيرة جداً من الاستيطان والجدار وتهويد القدس وإحكام الحصار على قطاع غزة. هل كانت هذه الاتفاقات هي نهاية المطاف؟ أم أنه هناك خيارات قانونية وديبلوماسية متعددة؟

إن العودة عن الخطأ فضيلة. إن الاستفادة من البعد الدولي للقضية ومن المؤسسات الدولية أمر يمكن تداركه. كما أن التحلل من اتفاقات أوسلو سوف يفتح أمامنا آفاقاً واسعة وخيارات قانونية متعددة أتاحها القانون الدولي، وهي بالتأكيد أكبر بكثير من المكاسب الوهمية التي حققتها اتفاقات أوسلو.

إن “إسرائيل” هي سلطات احتلال وتترتب عليها التزامات كثيرة، كما أن العالم اليوم لم يعطِ أي مشروعية قانونية لهذا الاحتلال على الرغم من التغييرات الميدانية التي أحدثها على مدار عقود.


كما أن التحلل من قيود أوسلو سوف يفتح المجال واسعاً أمام المصالحة الوطنية، وسوف يعزز الصمود الداخلي، وسوف يمكّن الشعب الفلسطيني من التعبير عن رفضه للاحتلال بوسائل مختلفة.

أخيراً، من وجهة نظر إجرائية، من الأسلم الانسحاب المنظم من الاتفاقات، لإن الانسحاب العشوائي تترتب عليه تداعيات كثيرة.



ثانياً: قبل تموز المقبل: كيف يواجه الفلسطينيون نية إسرائيل ضم الضفة الغربية؟


جيفارا الحسيني - عكا للشؤون الاسرائيلية

بقلم: يوحنان تسورف - نظرة عليا


أعلن محمود عباس في 17 أيار باسم "القيادة الفلسطينية" بأن السلطة الفلسطينية "في حِل من كل الاتفاقات والتفاهمات والالتزامات النابعة عنها، بما في ذلك الالتزامات الأمنية" بينها وبين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة، وأضاف بأن على "سلطات الاحتلال أن تتحمل من الآن فصاعداً المسؤولية… أمام الأسرة الدولية كقوة احتلال على أراضي دولة فلسطين". وتحمل الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على هذه القوة. كما أن البيان يحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن الوضع الناشئ بسبب "شراكتها" مع خطوات إسرائيل، ويدعو دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين والوقوف ضد الضم ومعاقبة إسرائيل، ويكرر القول إن م.ت.ف هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وليس أحد غيرها. وتضمن البيان إيضاح بأن السلطة متمسكة بالقرارات الدولية والإقليمية وبحل الدولتين، مستعدة لإجراء مفاوضات برعاية دولية واسعة وكرر الالتزام بالعمل ضد الإهاب الدولي مهما كان.

جاء البيان بعد أسابيع عديدة انطلق في أثنائها في الساحة الفلسطينية انتقاد شديد للسلطة الفلسطينية على ضعفها وهشاشتها وعدم قدرتها و/أو شجاعتها لتحقيق القرارات التي اتخذتها في السنوات الأخيرة بشأن وقف العلاقات مع إسرائيل. هذه الأصوات، التي انطلق بعضها في قاعة المداولات أيضاً قبل تلاوة البيان، تترافق وتعابير الهزء والاستخفاف، وتبث عدم ثقة باستعداد عباس والقيادة حوله للخروج من المكان المريح الذي منحته إياهم الاتفاقات مع إسرائيل. إن محاولة عباس جلب أجنحة المعارضة للمشاركة في الاجتماع الذي صدر فيه البيان اصطدم برفض قادة حماس والجهاد الإسلامي الذين عارضوا المشاركة في قرارات ليس لهم قدرة على التأثير فيها وطالبوا بوضع استراتيجية كفاح مشترك. زياد نخالة، أمين عام الجهاد الإسلامي، أوضح في مقابلة مع قناة "الميادين" بأن منظمته لن توافق على أن تكون زينة في مثل هذه الاجتماعات.

على مدى السنين، أجاد عباس في التصدي لمثل هذا الانتقاد، ولكن ما حركه هذه المرة لإطلاق بيانه الحاد كانت الأمور التي قيلت في كنيست إسرائيل في أثناء أداء الحكومة الجديدة اليمين القانونية في 17 أيار. فقد عاد رئيس وزراء إسرائيل وأعلن بأن في نيته بسط السيادة على مناطق في الضفة الغربية (وإن كان الضم لم يدرج في الخطوط الأساسية للحمة). وبالفعل، فإن بعضاً من منطقة الراحة التي خلقها الإجراء الانتقالي لأوسلو للسلطة الفلسطينية كان الامتناع الإسرائيلي عن إعطاء مفعول رسمي لسيطرة دولة إسرائيل في الضفة الغربية، وبخاصة في مناطق المستوطنات وغور الأردن. أما هذه المرة، حين تعلن حكومة إسرائيل على الملأ بأن في نيتها بسط السيادة على أجزاء من الضفة الغربية، في ظل الاستناد إلى الإذن بعمل ذلك مثلما جاء في خطة ترامب، فلم يتبقَ لعباس إلا الخروج في إعلان تهديد، في محاولة لعدم فقدان الصلة، سواء في الساحة الداخلية أم الدولية. في نظر عباس وقيادة م.ت.ف، الذين أحدثوا التغيير عام 1988 في تحديد الأهداف الوطنية الفلسطينية من دولة بدل إسرائيل إلى دولة إلى جانب إسرائيل – لا معنى لحجم الضم. بالنسبة لهم، تعتزم إسرائيل تغيير قواعد اللعب من خلال خطوات من طرف واحد، مآلها التأثير على طبيعة التسوية الدائمة وتعميق ضعف الفلسطينيين. وثمة مصدر قلق آخر تراه السلطة الفلسطينية، وهو أن التقدم باتجاه الضم سيمنح مفعولاً أكبر لاستراتيجية الكفاح المباشر التي تتبناها حماس والساعية إلى الاعتراف بها كبديل عن السلطة الفلسطينية.

عملياً، ليس واضحاً ماذا سيكون مفعول وحجم تصريحات عباس العلنية. فقد اعتقد صائب عريقات بأن القرارات دخلت حيز التنفيذ الفوري، بما في ذلك وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة. ولكنه قال للصحافيين الإسرائيليين، إن هذا ليس ضوءاً أخضر لتنفيذ العمليات ضد إسرائيل، وإن محاولات كهذه ستصطدم بالمقاومة من جانب قوات الأمن الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، أفادت محافل الأمن الفلسطينية للصحافيين الإسرائيليين بأنها أوقفت اللقاءات المشتركة وتفعيل الخط الأحمر بين القيادات على المستويات الميدانية، كما أخرج القوات الفلسطينية من المناطق "ب"، حيث تتواجد بالتنسيق مع إسرائيل، وإن كان هذا لا يعني حالياً حل أو نية حل أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية أو ترك الحكومة والوزراء الفلسطينيين لمناصبهم. وذلك بخلاف الدعوات التي وجهها كُتّاب رأي فلسطينيون كفاحيون للقيادة للانتقال إلى الجزائر أو الإعلان عن حل السلطة وتسليم المسؤوليات عن المناطق "أ" لإسرائيل، مع إبقاء م.ت.ف ممثلاً وحيداً للفلسطينيين.

ومع ذلك، يبدو أن الرد الفلسطيني على إعلان نية الضم في هذا الوقت ينطوي على احتمال تحقق أعلى من التهديدات بإلغاء الاتفاقات وقطع العلاقة مع إسرائيل، والتي أطلقها الناطقون باسم السلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة. ومع أن السلطة "لم تحطم الأواني" وتسعى لترك مجال عمل للساحة الإقليمية والدولية حتى الأول من تموز على الأقل، وهو الموعد المقرر لبدء حكومة إسرائيل العمل على الخطوة، فالحديث يدور عن تحذير من الآثار السلبية المتوقعة للضم، على أمل حمل إسرائيل على التوقف عنه. وقد نتعرف على الامتناع عن التراجع التام عن الاتفاقات من أن عباس شدد أيضاً على أن كلمته موجهة لحكومتي إسرائيل والولايات المتحدة، وليس للاتحاد الأوروبي الذي يوقع هو أيضاً على الاتفاقات التي تبلورت على مدى السنين. وكذا من الصيغة المعتدلة للبيان التي جاء فيها أن السلطة الفلسطينية "ترى نفسها في حِل" من الاتفاقات وليست منسحبة منها. فالتمسك بهذه الاتفاقات هو الأساس الذي تقوم عليه الاستراتيجية التي تميز بين م.ت.ف/السلطة الفلسطينية من جهة وحماس من أخرى. وربما تفسر ضعضعتها في الساحة الفلسطينية دليلاً آخر على فشل السلطة وربما أيضاً التقدم في مسيرة مصالحة داخلية بين فتح وحماس، التي لا تزال احتمالات تحققها هزيلة.

من ناحية إسرائيل، ينبغي الفحص فيما إذا كانت نية الضم تعبر بالفعل عن مصلحة قومية وحولها إجماع، إجماع فيه ما يحسن الواقع الأمني في ساحة النزاع بعامة وفي المجال المخصص للضم بخاصة، أم ربما يعمق الخلافات والشروخ القائمة في المجتمع الإسرائيلي رغم التأييد لهذه النية في أجزاء من الجمهور. فالضم الذي على جدول الأعمال لم يرفع إلى جهاز الأمن كمهمة تفترض دراسة معمقة ولم يجرَ حوله بحث جماهيري كما هو جدير بخطوات سياسية وأمنية ثقيلة الوزن. كذاك الذي جرى قبل فك الارتباط عن قطاع غزة. فما بالك أن الحديث لا يدور عن سياق تهديد أمني يحدق بالمستوطنات أو بحرية عمل الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية من جانب السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية. فهل من الصواب وضع محمود عباس قيد الاختبار، واستعداد أجهزة الأمن الفلسطينية للخضوع لإمرته، أو وضعه ووضع أجهزته الأمنية أمام سخرية أبناء شعبه.

أمر الساعة هو التقليل من الحماسة التي تتميز بها التصريحات في إسرائيل بشأن نية الضم، والبحث باهتمام شديد في جملة الآثار المتوقعة للخطوة في ساحة النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وكذا في الساحة الإقليمية. لقد أوضح عبد الله، ملك الأردن، ورئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، بأن الضم قد يخلق مواجهة بين الأردن وإسرائيل. كما أن مصر هي الأخرى تتحفز في ضوء إمكانية أن تطلب حماس وفصائل فلسطينية أخرى، من خلال استئناف النار في القطاع رداً على الضم، أن تثبت لأبو مازن ما هو "الطريق الصحيح" لممارسة الضغط على إسرائيل. لهذا السبب، وكذا لسبب أن عموم الجهات ذات الصلة بالنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني ومنها الإدارة الأمريكية، غير معنية بانهيار أو حل السلطة الفلسطينية، بالتصعيد في ساحة النزاع، وبتفاقم العلاقات بين إسرائيل وجيرانها في الشرق الأوسط، وبسحب مفعول المسيرة السياسية، ينبغي تغذية الدراسة اللازمة في إسرائيل في هذا السياق بالمعطيات والتقديرات التي تساهم في بحث عاقل. كما ينبغي تشجيع بحث جماهيري في هذا الموضوع الذي ستكون معانيه الأمنية والاجتماعية، سواء في المدى القصير أم الطويل، ثقيلة الوزن.



أولاً: من أزمة كورونا الي الاتفاق المحتمل وإطلاق سراح الأسرى

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

يوحنان تسوريف وكوبي ميخائيل 


في الـ 2 من ابريل، أجرى رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة يحيى السنوار لقاءً مع قناة الأقصى التابعة لحماس. خلال هذا اللقاء، سعى السنوار لتبديد مخاوف الشعب من جائحة كورونا، وأوضح أن حماس تسيطر على الوضع، وأراد أن يُعزز ثقة الشعب بقيادة حركته. إضافة إلى ذلك، وجه السنوار رسالة إلى إسرائيل بشأن صفقة محتملة لإطلاق سراح الأسرى. حسب قوله، لم يطرأ أيّ تغيير على موقف حماس الرسمي، والذي يتصدره مطلب إطلاق سراح رجاله؛ من محرري "صفقة شاليط" اللذين أعيد اعتقالهم خلال العام 2014. كذلك قال بأن الفراغ السلطوي المستمر في إسرائيل طوال أكثر من عام منع إحراز أيّ تقدم في هذا الملف. مع ذلك، أضاف أنه وعلى خلفية جائحة كورونا، فإن ثمة إمكانية للقيام بمبادرة إنسانية تقوم إسرائيل في إطارها ("الاحتلال" على لسانه) بإطلاق سراح كبار السن والمرضى من بين الأسرى، وتعطى "مقابلًا جزئيًا" من قِبل حماس. في ذات الوقت، أكد على أن الصفقة الأكبر ستوجب على إسرائيل دفع ثمن أكبر.

ردّ إسرائيل الرسمي المعلن على أقوال السنوار كان أن منسق شؤون الأسرى والمفقودين وطاقمه "ملزمون بالعمل، وبشكل مكثف، وبناءً على إعادة جثث المجندين والمواطنين المفقودين" ووضع حد لهذه القضية. كما أُفيد بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو دعا إلى حوار سريع مع الوسطاء بين إسرائيل وحماس من أجل العمل على دفع الصفقة. هذا الرد يُعتبر استثنائيًا بالنسبة للسلوك الإسرائيلي المعروف إلى الآن في صفقات إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، والذي تميز بقلة المعلومات - وحتى الغموض - ما لم يتم الاتفاق على الصفقة. المعلومات وصلت في الأساس من مصادر فلسطينية، والتي أثبتت في معظم الأحوال مصداقيتها.

إعلان السنوار دعم من قِبل جميع قادة حماس، بمن فيهم الرئيس إسماعيل هنية، وكذلك خليل الحية وموسى أبو مرزوق. الصحافة المحسوبة على التنظيم وغيرها الكثير تركت انطباعًا بأن الحديث يدور عن مبادرة جدية كلا الطرفين معنيان بها. موسى دودين (المسؤول عن ملف الأسرى في التنظيم) قال في الـ 4 من ابريل بأنه إذا ما كانت إسرائيل مستعدة لإطلاق سراح الأسرى الشيوخ والمرضى والنساء فإن حماس ("المقاومة " على حد قوله) مستعدة للقيام بخطوة مقابلة، كما أوضح أن مبادرة الأسرى لا تأتي على حساب شروط "المقاومة" المتعلقة ببلورة صفقة تبادل أسرى شاملة، وأنه يجب الشك في نوايا إسرائيل بهذا الشأن.

في خلفية هذا المشهد، تسعى حماس لأن تقحم روسيا في الاتصالات، والتي حسب تقديرها تزايد نفوذها في إسرائيل بالفترة الأخيرة. إسماعيل هنية الذي زار موسكو مؤخرًا قال لنائب وزير الخارجية مايكل بوغدانوف (بعد نشر التصريحات الإسرائيلية) بأن تنظيمه مصرّ على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في صفقة تبادل ممكن إحرازها في حال استجابت إسرائيل للمطالب. كما أشار إلى أن الوسطاء أجروا اتصالًا مع تنظيمه، وكرر المزعم بأن ذراع حماس العسكري لديه أربعة جنود إسرائيليين، وأضح أن أزمة كورونا هي المحفز الرئيسي من وراء هذه الأحداث، إذ أنها بالفعل خلقت شراكة مصالح بين إسرائيل وحماس، والتي من شأنها أن تؤدي إلى صفقة بثمن "أرخص نسبيًا" لكلا الطرفين. حماس المتحمسة لإطلاق سراح رجالها من السجون الإسرائيلية تعرف جيدًا محدودية قدرتها على مواجهة انتشار فيروس كورونا بشكل موسع في قطاع غزة، ورغم أن التنظيم قد بدد قسمًا كبيرًا من المخاوف التي سادت أوساط مواطني المنطقة في بداية الأزمة، حيث استطاعت أن تكبح دخول الفيروس إلى القطاع؛ ومع ذلك فواضح لدى قيادة حماس الارتباط التام بالمساعدة الإسرائيلية، وحسب تقديرها فإنها هي المصدر الوحيد للمساعدات في حال تفشي الوباء بشكل واسع النطاق.

في الخلفية، تواجه قيادة التنظيم منذ سيطرته على القطاع عام 2007 التوتر ما بين ضرورة تأسيس مكانتها كمسؤولة عن السكان المدنيين وحكمها في المنطقة، وبين الرغبة في الحفاظ على مكانتها كرائدة للكفاح المسلح ضد إسرائيل. قبل عملية "الجرف الصامد" (صيف 2014)، وبالتحديد بعد انتخاب السنوار رئيسًا للمكتب السياسي لحماس في قطاع غزة، أبدى التنظيم اهتمامًا بإعادة اعمار القطاع، ذلك إلى جانب التقدير بأن المنطقة - وكذلك حماس نفسها - لا يُمكنها ان تصمد في مواجهات عسكرية واسعة أخرى مع إسرائيل. من هنا، تأتي مساعيها إلى وقف إطلاق نار مقابل تسهيلات واسعة في الإغلاق ("الحصار" حسب مصطلحات حماس). بهدف دفع إمكانية إعمار القطاع، وبالتالي إثبات القدرة على تحسين ظروف السكان المعيشية؛ فإن قيادة حماس تتطلع إلى فترة متواصلة من الهدوء من دون قتلى ومصابين، ومن دون التنازل عن مبدأ محاربة إسرائيل، ولكن من خلال توسيع تعريفاتها وتنويعها.

أزمة كورونا أيضًا فاقمت ضائقة السكان في القطاع عمومًا، وضائقة حماس على وجه الخصوص؛ مصادر المساعدات الخارجية تراجعت، الدول (ومن بينها إيران التي قدمت المساعدة) اضطرت لأن تقلص إلى حد كبير جدًا هذه المساعدات من جانبها، والمساعدات المحولة من قبل السلطة الفلسطينية - ورغم أنها زيدت مؤخرًا - لكنها ما تزال غير كافية أمام مطالب واحتياجات حماس، وقطر (إلى جانب تعهدها المعلن بالمساعدة) تبدي نفاد صبرها من تحمل عبء القطاع المتواصل والاستثنائي.

على هذا الأساس من الضائقة المتواصلة وخطر انتشار فيروس كورونا، شخصت قيادة حماس في غزة فرصة في أزمة كورونا؛ أسلوبها البراغماتي عبرت عنه محاولة دفع صفقة إطلاق سراح الأسرى، من خلال الاستعداد للمرونة الكبيرة مقارنة مع موقفها المعروض قبل الأزمة. المساعدة الإسرائيلية ستسمح لحماس أن تجتاز بسلام الأزمة، وأن تثبت قدرتها على الحكم، وكذلك أن تثبت كونها بديلًا جديرًا لفتح والسلطة الفلسطينية. وها هي ذا الحجة الإنسانية في زمن كورونا تسمح بتجاوز المبادئ الأيديولوجية الخداعة التي وجهت قيادة حماس في هذا الملف في السنوات الأخيرة.

مبادرة حماس هذه، والمعروضة من قِبل قيادة التنظيم على أنها إنسانية، تقدّم لإسرائيل - التي لم تنجح إلى الآن بتحرير جثث الجنود والمواطنين (اللذين اجتازا الحدود بمبادرتهما) - فرصة لإعادتهم بثمن أقل نسبيًا وبشكل يسمح لها بـ "تجاوز" جزء من القيود المفروضة على صفقة إطلاق سراح الأسرى الأمنيين بقوة قرار الحكومة في الـ 2014.

عدا عن ذلك، فإسرائيل اليوم تساعد قطاع غزة في المجال الصحي من أجل تقليص خطر انتشار فيروس كورونا في المنطقة، وبالتالي تقليص خطر انزلاقه إلى أراضيها هي، وكذلك التهديد بالتصعيد الأمني و/ أو تدفق المواطنين ومن بينهم المرضى باتجاه الحدود. وذلك في الظروف التي تكون فيها القدرة على الرد العسكري الإسرائيلي محدودة بسبب الخوف من انتقال العدوى إلى الجنود ووضع إطلاق النار على المواطنين العاجزين.

تصريحات السنوار بشأن صفقة محتملة مع إسرائيل، وكذلك أقوال مسؤولي حماس في هذا السياق، فيها دليل على أن الحديث يدور عن خطوة محسوبة اتخذها التنظيم، وتهدف إلى خلق ديناميكا جديدة في التعاطي مع إسرائيل، من خلال استغلال أزمة كورونا كملفٍ إنساني وكمشكلة مشتركة بين الطرفين. رغم أن تصريحات مسؤولي حماس في هذا السياق كانت متحفظة (على سبيل المثال: موسى أبو مرزوق صرح في الـ 4 من ابريل بأن الحديث يدور عن خطوة تشبه تلك التي تمت أيام شاليط؛ إطلاق سراح الأسرى المرضى والشيوخ مقابل معلومات حول المحتجزين لدى حماس)؛ غير أنه من المُمكن ومن خلال الاتفاق المحدود أن تتطور ديناميكا يكون من المُمكن استغلالها واستخدامها كرافعة لاتفاقيات تتجاوز هذه الصفقة بحد ذاتها، بشأن وقف إطلاق النار طويل الأمد وتخفيف الإغلاق أيضًا.

من جهة إسرائيل، نوصي بأن تعارض أيّ اقتراح لإطلاق سراح أسرى (مع التأكيد على أن المقصود "مخربون نفذوا أعمالًا إرهابية") مقابل معلومات فقط، لأنه وكما هو معروف صورة الوضع التي تمتلكها إسرائيل حول المواطنين والجنود المحتجزين لدى حماس دقيقة للغاية؛ وإنما السؤال المطروح: هل البعد الطبي/ الإنساني سيحدد حجم صفقة تبادل الأسرى بينها وبين حماس أم انه يجب "الإمساك بالثور من قرنيه" ودفع حماس من خلال استغلال ظروف أزمة كورونا في القطاع على وضع بنية لاتفاق أوسع يتضمن مرحلتين: الأولى تكون على أساس إنساني، تسمح بإعادة جثث الجنود (هدار غولدن الذي قِتل إثر خرق لوقف إطلاق النار الإنساني من قِبل حماس خلال عملية "الجرف الصامد") والمواطنين الإسرائيليين، وذلك مقابل إطلاق سراح الأسرى الشيوخ الموجودين في المعتقلات الإسرائيلية في أواخر فترة اعتقالهم، والمرحلة الثانية - في حال تكللت المرحلة الأولى بالنجاح - تكون محاولة رفع الديناميكا التي ستنتج عن تطبيق صفقة أسرى، ووضع بنية تحتية لاتفاق أوسع/ ومتواصل في اليوم الذي يلي أزمة كورونا، على أساس المساعدات الطبية والإنسانية، بما في ذلك تسهيلات الإغلاق الأمني التي ستقدمها إسرائيل لقطاع غزة؟

يبدو أنه وأكثر ممّا كان في الماضي، فإن حماس مستعدة للالتزام باتفاق أمني يكون بجانبه تسهيلات لوقت طويل؛ مثل هذه الخطوة من شأنها أن تحسّن وضع حكم حماس وشرعيتها في قطاع غزة، وبشكل عام، لكن ما لم تعتبر هذه الخطوة ذات معنى يشذ عن وقف إطلاق نار محلي؛ فربما لا تثير اعتراضًا من جانب السلطة الفلسطينية.



ثانياً: توجهات أطروحات الدكتوراه في تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات الإسرائيلية 

أ. د. وليد عبد الحي 

مقدمة:

هل تشكل موضوعات أطروحات الدكتوراه بشكل عام في كل التخصصات مؤشراً على توجهات الدولة والمجتمع؟ وهل تسهم الحكومات في إطار التخطيط الاستراتيجي المستقبلي في توجيه الباحثين في أطروحاتهم نحو العناية بموضوع معين أو ميدان ما؟ أم أن الأمر متروك “تماماً” للطالب وللملابسات الإدارية مثل موافقة لجان الدراسات العليا والعثور على مشرف للأطروحة؟ فطبقاً للوائح الإسرائيلية، فإن اللجان العلمية للدراسات العليا يجب أن توافق على الموضوع (كما تنص الفقرة ن من البند 2.3 من قانون جامعة حيفا)، وهو أمر مألوف في كل الجامعات في العالم.

لكن رصد التدخلات الحكومية الإسرائيلية في العمل الأكاديمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر في الحريات الأكاديمية في العلوم السياسية، يشير إلى أن الأمر ينطوي على تدخلات رسمية صريحة، مما يُوجِد انطباعاً بأن هناك أيضاً تدخلات من وراء الستار على الرغم من كل ما تزعمه “إسرائيل” من ليبرالية أكاديمية.

تدخل السلطات الإسرائيلية في الحريات الأكاديمية:

ولكي ندلل على ما سبق، يكفي الإشارة لنماذج عديدة من تدخل السلطات الإسرائيلية في الحريات الأكاديمية خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسياسة الدولة، فالمجلس العسكري الإسرائيلي للتعليم العالي في الضفة الغربية عمل على ترقية كلية للمستوطنين هي كلية آرييل Ariel College إلى مستوى جامعة سنة 2012، وهو ما أثار الوسط الأكاديمي بقدر ما، والذي رأى في الأمر تكريساً للسياسات الاستيطانية وتدخلاً في الشأن الأكاديمي. [1] كما أن المجلس نفسه في فترة رئاسته من قبل جدعون سآر Gideon Sa’ar سنة 2010 منع كتاباً جامعياً في تخصص التاريخ لأنه “متعاطف جداً” مع وجهة نظر الفلسطينيين بحسب رأيه. [2] ونشرت الصحف الإسرائيلية في فترات مختلفة تقارير عن “تهديد لبعض أساتذة الجامعات، أو إرسال رسائل مهينة لهم، أو التحريض عليهم لمجرد موقف سياسي يتخذونه ولا يتماشى مع توجهات الحكومة الإسرائيلية”. وهو أمر وصفته أستاذة التاريخ في جامعة تل أبيب مريم إلييف-فيلدون Miriam Eliav-Feldon بأنه يشبه المرحلة المكارثية في الولايات المتحدة. [3] كما أن الحركة الأكاديمية في الجامعات الإسرائيلية والتي تُسمى باشآر Bashaar وتضم 700 أستاذ جامعي، استنكرت ما أسمته “التدخل المدفوع بدوافع سياسية في الشأن الأكاديمي في الجامعات الاسرائيلية”، [4] وبلغ الأمر حد التهديد بقطع التمويل عن الأقسام الأكاديمية التي تتبنى مواقف “لا تتسق مع سياسات حزب الليكود”. [5]


وفي إطار مدونة للسلوك الأكاديمي التي تم العمل على إعدادها زمن وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت Naftali Bennett بين 2015-2019، وأوكل إنجازها للبروفيسور آسا كاشيرAsa Kasher، نجد النص التالي في إحدى فقرات هذه المدونة: “يُمنع المحاضر في الجامعة من طرح رأيه السياسي في قاعة الفصل الدراسي”، كما تنص المدونة على منع كل من يؤيد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) The Boycott, Divestment, Sanctions (BDS) movement من الأكاديميين الأجانب من الدخول لـ”إسرائيل”. بل إن بعضاً من هؤلاء الأكاديميين جرى التحقيق معهم في المطارات الإسرائيلية. [6]

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن التضييق على الأكاديميين امتد إلى خارج “إسرائيل”، ففي نيسان/ أبريل 2015 منعت جماعات من أنصار اللوبي الصهيوني في بريطانيا جامعة ساوثامبتون من عقد مؤتمر حول الصهيونية. [7] وفي سنة 2008 و2009 تم منع مؤتمر في جامعة تورنتو الكندية حول مسارات “السلام” بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، وقاد المنع جماعات الضغط الإسرائيلية. [8]

وفي سنة 2009 كشف رئيس جامعة تل أبيب السابق البروفيسور زيفي غاليل Zvi Galil تعرضه لضغوطات حكومية لطرد طالب فلسطيني من الجامعة لمجرد أنه أبدى رأيه بشكل لا يتوافق مع السياسة الإسرائيلية، وهو الوضع نفسه الذي تعرض له البروفيسور في العلوم السياسية في جامعة بن جوريون نيفي جوردون Neve Gordon في السنة نفسها، لأنه أبدى اعتراضه على الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في المناطق المحتلة سنة 1967.

بل وصل الأمر في بعض الوقائع إلى محاولة المستوطنين قتل البروفيسور في الجامعة العبرية زئيف ستيرنهل Ze’ev Sternhell سنة 2008 بزرع عبوة ناسفة عند منزله، مما أدى إلى إصابته بجروح لمجرد انتقاداته لتصرفات المستوطنين. كما أن مجلس رؤساء الجامعات الإسرائيلية أصدر بياناً اتهم فيه الجيش بالتدخل في الشؤون الأكاديمية. [9] ولعل الصراع الذي قام بين جامعة بن جوريون والسلطات الإسرائيلية حول توجهات قسم العلوم السياسية في هذه الجامعة، يدل بشكل واضح على نزوع اليمين الإسرائيلي، مستغلاً وجوده في السلطة، إلى إغلاق القسم لمجرد الشعور بأن بعض أعضاء القسم لديهم توجهات “ليبرالية”. [10] وهو ما ترتب عليه إعادة تقييم لكافة توجهات أقسام العلوم السياسية في الجامعة الإسرائيلية.

إلى جانب كل ما سبق، فإن بعض مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية تتلقى دعماً مالياً من المؤسسة العسكرية ومؤسسات الاستخبارات لأغراض البحث، ناهيك عن أن هذه الجامعات وقَّعت عقوداً لتقديم دورات خاصة للجيش ومؤسسات الاستخبارات، وسمحت لأعضاء هذه المؤسسات بإجراء دراساتهم في فترات زمنية أقصر من بقية الطلاب العاديين. [11]

وعند تطبيق مقياس الحرية الأكاديمية في الجامعات Academic Freedom Index على الجامعات الإسرائيلية، طبقاً لمؤشرات هذا المقياس وهي: حرية البحث والتعليم، وحرية التبادل الأكاديمي والنشر، والاستقلالية المؤسسية، ونزاهة الحرم الجامعي (وتعني الدرجة التي يكون فيها الحرم الجامعي خالٍ من المراقبة ذات الدوافع السياسية أو الانتهاكات المتعلقة بالأمن)، وحرية التعبير الأكاديمي والثقافي والسياسي، نجد ان الكنيست Knesset الإسرائيلي أقر في آذار/ مارس 2011 قانوناً “يخول وزير المالية تخفيض تمويل أي مؤسسة علمية إذا انخرطت في نشاطات تتناقض مع سياسة الدولة”،[12] وهو أمر يتسق مع رفض وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية إجازة رواية أدبية إسرائيلية تتضمن حَبْكَتُها الروائية علاقة عاطفية بين امرأة إسرائيلية ورجل فلسطيني، لأن الحديث عن “العلاقات الحميمة بين اليهود وغير اليهود يُهدد الهوية الخاصة لكل منهما” كما جاء في بيان الوزارة. كما أن المتحف الإسرائيلي في تل أبيب منع فناناً صينياً من عرض صورة لمخيمات لاجئين فلسطينيين كان مصور يهودي قد التقطها. [13] كما تم طرد الدكتورة آرييلا أزولي Ariella Azoulay من جامعة تل أبيب نظراً لمقالاتها المناهضة للسياسة الإسرائيلية. [14]

أطروحات الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات الإسرائيلية:

ما مدى تدخل السلطات الإسرائيلية في سير إجراءات إعداد وإجازة أطروحات الدكتوراه في أقسام العلوم السياسية في الجامعات الإسرائيلية؟

في ضوء ما أشرنا له أعلاه من تدخلات حكومية في مسار العمل الأكاديمي خصوصاً في أقسام العلوم الاجتماعية والإنسانية وتحديداً في العلوم السياسية، نشير إلى واقعة دالة وواضحة في مجال التدخل في أطروحات الدكتوراه، وهي الواقعة التي جرت مع بروفيسور التاريخ في جامعة حيفا ألان بابيه Ilan Pappé، الذي أشرف سنة 1998 على أطروحة طالب دكتوراه في التاريخ، وكشف الطالب في أطروحته عن جرائم حرب اقترفها اليهود الصهاينة سنة 1948 ضد الفلسطينيين، من خلال ممارسات كتيبة عسكرية إسرائيلية حددها الباحث ووثقها طبقاً للأصول الأكاديمية، لكن ممثلين عن تلك الكتيبة العسكرية احتجوا على ما ورد في الأطروحة، فقامت الجامعة بتشكيل لجنة انتهت إلى إصدار قرار بتكذيب ورفض ما ورد في الأطروحة على الرغم من أن المشرف بابيه ولجنة مناقشة الأطروحة رفضوا نتائج لجنة التحقيق التي شكلتها الجامعة، وهو ما تسبب في استمرار الضغوط على المشرف بتهديده بالفصل ومنعه من المشاركة في النشاطات العلمية، مما دفعه لترك الجامعة والالتحاق بجامعة إكستر في بريطانيا سنة 2007. ويقدر بابيه أن نحو نصف أساتذة الجامعات الإسرائيلية لديهم صلات “بالأجهزة الأمنية” الإسرائيلية. [15]

ذلك يعني أن التدخل وارد في توجيه مضمون أطروحات الدكتوراه وموضوعاتها، وإن كان من المتعذر التدليل بشكل موثق على دور معين للجهات الرسمية في توجيه الطلاب لاختيار موضوعاتهم في كل حالة من الحالات، ولكننا وبالمقابل لا نستبعد احتمال حدوث ذلك بطريقة أو بأخرى في ضوء ما أشرنا له في مقدمتنا الواردة أعلاه، علماً أن هناك نحو 1,300 أطروحة دكتوراه تجري مناقشتها في العام في كل الجامعات الإسرائيلية وفي كل الموضوعات.

لقد حاول كاتب هذه السطور رصد الأطروحات في ميدان العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث تمكن من رصد 74 أطروحة في خمس جامعات هي: [16]

1. بار إيلان: قسم العلوم السياسية.

2. بن جوريون: قسم السياسات والحكومة.

3. العبرية: قسم العلاقات الدولية/ قسم العلوم السياسية/ قسم السياسة العامة والحكومة.

4. تل أبيب: قسم العلوم السياسية/ قسم السياسة العامة.

5. حيفا: قسم العلوم السياسية.

النتائج الكمية:

تم توزيع الأطروحات طبقاً لتخصصها في نطاق العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتم تقسيمها إلى سبعة أقسام هي:

1. النظريات والمناهج السياسية.

2. النظام السياسي (بفرعيه: مؤسسات القرار، وعملية صنع القرار).

3. الإدارة المحلية.

4. العلاقات الدولية (مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمنطقة العربية، وإفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية).

5. الإعلام السياسي والرأي العام.

6. الجوانب الأمنية من منظور سياسي.

7. علم الاجتماع السياسي.

ومعلوم أن هذه الموضوعات تتداخل ببعضها البعض نظراً لانتمائها لحقل معرفي واحد، ولكني سعيت لتقسيمها على أساس السمة العامة لموضوع الأطروحة، فعلى سبيل المثال هناك أطروحة تتناول كيفية التعامل مع الأقليات في ثلاثة نماذج: “إسرائيل” وكندا وإيرلندا، فهذا يدخل في القرار السياسي وفي علم الاجتماع السياسي، أو دور الدين في القرار أو السلوك السياسي عند الإسرائيليين والفلسطينيين، أو العلاقة بين العلاج الطبي والسياسة، أو توظيف المساعدات الدولية في لحظات الكوارث البيئية لبناء تحالفات سياسية…إلخ.

وعند رصد الموضوعات وتوزيعها كانت النتائج على النحو التالي:

 

 


التحليل:


بنظرة مستقبلية، يمكن الزعم بأن الجزء الأكبر من أصحاب هذه الأطروحات سيكونون جزءاً من العقل الإسرائيلي سواء كمسؤولين رسميين أم كخبراء سياسيين أم كباحثين سياسيين يوجهون الثقافة السياسية في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يجعل دراسة اهتماماتهم أمراً ضرورياً استناداً لموضوعات تخصصهم، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار التوجه العام لتخصص العلوم السياسية في الجامعات الإسرائيلية، حيث نجد طغياناً في نطاق العلوم السياسية لعلم الاجتماع السياسي وموضوع السياسة العامة. [17]

إن النظرة إلى مضمون هذه الأطروحات يثير عدداً من الملاحظات:

1. هناك انفصال بين مستوى الاهتمام الإسرائيلي الرسمي بموضوع الأمن، وبين مستوى الاهتمام في الأطروحات الجامعية بهذا الموضوع، إذ تعد “إسرائيل” من جانبها الرسمي واحدة من أكثر دول العالم اهتماماً بالبعد الأمني نتيجة الكيفية الشاذة التي أنتجتها، فهل الابتعاد عن هذا الموضوع في الأطروحات الجامعية العليا هي نتيجة لنقص المعلومات بسبب السرية العالية التي تحيط بها “إسرائيل” هذا الجانب، أم أن هناك توجيهات رسمية ضمنية بعدم الاقتراب من هذا الموضوع لفرط حساسيته، إذ يمكن أن تكون هذه الأطروحات مصدر معلومات للدول الأخرى؟ وعليه يبقى السؤال مطروحاً؛ لماذا كانت نسبة الأطروحات ذات العلاقة بالموضوع الأمني هي 5.4% فقط؟، والملاحظ أن موضوعات الأطروحات الأمنية تركزت حول الهواتف الخلوية ومخاطرها سياسياً، او حول الأمن السيبراني، أو دراسات مقارنة لمنظمات “إرهابية” بحسب الكيان الإسرائيلي، تشمل القاعدة وطالبان وحزب الله وحماس والتاميل…إلخ.

وللتدليل على أن البحوث لا تسير في اتجاه الموضوعات الأمنية نظراً لنقص الوثائق المتاحة للباحثين ولحساسية الموضوع، نشير إلى أنه من بين ثلاثة ملايين وثيقة في الأرشيف الصهيوني تتعلق بالسياسة الخارجية الإسرائيلية، فإن 550 ألف وثيقة فقط هي المتاحة للاطلاع (أي ما نسبته 18% فقط)، وفيما يتعلق بالجيش الإسرائيلي فإنه من بين مليون وثيقة، غير متاح للاطلاع إلا على حوالي 50 ألف وثيقة (أي ما نسبته 5% فقط)، [18] كما أن نسبة الاعتدال السياسي تجاه الموضوع الفلسطيني في الوسط الأكاديمي في الجامعات الإسرائيلية أعلى منها بشكل واضح قياساً بتوجهات الحكومة الإسرائيلية خصوصاً اليمينية منها، [19] وهو ما يمثل نقطة احتكاك بين الطرفين كما أوضحنا في نماذج واقعية في هذا المجال، وتؤكده الدراسات الميدانية الخاصة بتوجهات نسبة من الأكاديميين الإسرائيليين بشكل خاص عند تعاملهم مع طلاب إسرائيليين (خصوصاً في الدراسات العليا) ممن تشكلت توجهاتهم العنصرية والعنيفة بفعل التربية الأسرية من ناحية، وبفعل الفترات التي يلتحق فيها أغلبهم بالجيش الإسرائيلي من ناحية ثانية. [20]

2. يلاحظ أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين اقتصرت على دراسة واحدة فقط (وهي لطالب فلسطيني) أي بنسبة مئوية تصل إلى 1.35% من مجموع الأطروحات، ويمكن تفسير ذلك بأنه نتيجة لمخاوف الطلاب والمشرفين عليهم من احتمالات التصادم مع الجهات الرسمية (وقد أشرنا لنماذج في بداية هذه الورقة)، أو نتيجة لطبيعة الثقافة العنصرية السائدة في المجتمع الإسرائيلي.

3. عند المقارنة بين الموضوعات السياسية وموضوعات العلاقات الدولية يتبين أن السيطرة الكبرى هي للعلوم السياسية، إذ إن نسبة العلوم السياسية كانت (في مجموع موضوعاتها) هي 81.05% مقابل 18.91 للعلاقات الدولية، فهل هذه النسبة المتدنية للعلاقات الدولية هي انعكاس واستمرار لثقافة “الجيتو” (أو الانغلاق على الذات)؟، إذ يلاحظ مثلاً أن علم الاجتماع السياسي (الأقرب في نظرياته واهتماماته لثقافة “الجيتو”) حظي بنحو 43.24%، أي أن التركيز على دراسة الذات، وهو ما يتضح في غلبة موضوعات الأقليات والدين والعلاج الطبي والمساعدات وتخصص السياسة العامة، القريب الصلة بالاجتماع السياسي. ويتسق هذا الاستنتاج مع نتائج الدراسات الميدانية الخاصة برصد التوجهات السياسية لطلبة الجامعات “اليهود” في الجامعات الإسرائيلية، إذ إن يهودية الدولة وجوانبها الثقافية والاجتماعية والسياسية هي الموضوع الأكثر اهتماماً به من قبل هؤلاء الطلاب. [21]

4. عند النظر في اهتمامات العلاقات الدولية يتبين:

أ. إقليمياً؛ كانت مصر وتركيا هما موضع الاهتمام الأكبر بين بقية دول الإقليم (بينما نجد إيران في الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث أو المقالات الصحفية أو التصريحات…إلخ هي الطاغية في الفترة نفسها). ولعل دراسة إيران بطريقة أكاديمية في أطروحات الدكتوراه قد توصل لنتائج إما إنها قد تصطدم مع توجهات الحكومة الإسرائيلية، أو قد تعزز وجهة نظر تيار سياسي إسرائيلي على حساب تيار آخر، وهو ما يدفع المشرفين والطلاب للابتعاد عن هذا الموضوع.

من جانب آخر، يلاحظ أن دراسات تركيا ومصر و”إسرائيل” اهتمت بموضوع “العلاقات بين العسكريين والمدنيين في الدول الثلاث ومقارنتها”؛ وهو انعكاس للشعور بأن المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث تمثل ركناً مركزياً في القرار السياسي في كل منها.

ب. على المستوى الدولي؛ فقد كان الاعتناء بأوروبا يعادل ضِعف الاهتمام بالولايات المتحدة، والملاحظ على الموضوعات الأوروبية التركيز مثلاً على دور التعاون العلمي في تعزيز العلاقات بين الطرفين، كما تفوقت آسيا على إفريقيا (خصوصاً لدور الصين). لكن الملفت للانتباه أن الاهتمام بإفريقيا تركز على موضوع المهاجرين من ناحية والمياه من ناحية أخرى، وهو أمر يثير التساؤل حول أهمية المياه في إفريقيا لـ”إسرائيل”، لكن ما يفسر هذا هو أن أغلب موضوعات المياه موضوع البحث في هذه الأطروحات هي المياه التي لها صلة بالدول العربية.

ج. يلاحظ أن نصيب الرأي العام والإعلام جاء في المرتبة الثانية في نطاق العلوم السياسية، وهو ما يعني أيضاً مركزية ذاتية، فأغلب هذه الدراسات عن الصور الذهنية وعن قنوات التواصل…إلخ في المجتمع الإسرائيلي.

إن الملاحظات التي انتهينا لها تجعلنا نفترض بأن التركيز الشديد على البنية الداخلية تخفي خلفها هواجس مستقبلية وقلق شديد على المجتمع السياسي وغير السياسي.



الخلاصة:


1. يعود نقص الرسائل الجامعية، في الجامعات الإسرائيلية، التي تقترب من وجهة النظر الفلسطينية، طبيعة المجتمع الصهيوني، وإلى المخاوف لدى المشرفين على الرسائل من احتمالات التعرض للإيذاء الخشن أو الناعم، مادياً ومعنوياً، من قبل السلطات الرسمية الإسرائيلية أو من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة.

2. إن الأحزاب اليمينية لا سيّما الليكود لا يتورع عن الضغط المادي أو الإداري المباشر على الأقسام الجامعية خصوصاً في نطاق الدراسات الاجتماعية والإنسانية التي تتخذ مواقف تراها الحكومة الإسرائيلية مخالفة لتوجهاتها.

3. إن التركيز على موضوعات علم الاجتماع السياسي يحتمل إجابات عديدة، لكننا نرى أنه تعبير عن ثقافة “الجيتو” من ناحية، والقلق المستقبلي من احتمال تمدد نزعات وتوجهات ثقافية غير مواتيه للأيديولوجيا الصهيونية، فمثلاً الخوف من أن تزايد العلمانية داخل المجتمع الإسرائيلي ووسطه الجامعي يهدد، من وجهة نظر السلطة، الأساس الأسطوري الديني الذي بنيت عليه الدولة، كما أن تزايد دور الثقافات والتوجهات القيمية الفرعية قد يمتد للمجتمع الإسرائيلي (شرقيون وغربيون، روس وغير روس، متدينون وعلمانيون، سود وبيض، قوميون وعولميون…إلخ)، يشكل من ناحية ثانية شقوقاً في الجدار الصهيوني.

4. يبدو أن الموضوعات الأمنية، وهي الأقل بين موضوعات الأطروحات الجامعية، شبه مغلقة في وجه الباحثين، لا سيّما أن القضية الأمنية تعلو في العقل الصهيوني على أي قضية أخرى، وهو ما تؤكده كل الدراسات الإسرائيلية أو الأجنبية الخاصة بالموضوع السياسي الإسرائيلي.



أولاً: التدخل التركي في ليبيا يعطل الإمارات العربية المتحدة لكنه يفتح أمام الباب روسيا

محمد الجارح 

 معهد واشنطن 

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأمريكية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدًا كبيرًا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا. 


في الأشهر السابقة، أدّى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومنالجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ “الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردًا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 نيسان/أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة – والموقَّع في كانون الأول/ديسمبر 2015 – أصبح لاغيًا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكممن خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في أيار/مايو 2014.

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدّى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.


هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين - أي مجلس النواب المعترف به دوليًا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح - في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدًا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولاً إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الأن، حفتر يواجه تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس – والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط - قبل أكثر من عام. إلاّ أن التدخل التركي المباشر مؤخَّرًا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرًا عديم الجدوى في نظر اغلبمؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبو ظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحًا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورةيمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبو ظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطًا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلاً. من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلًا ناجحًا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلاً مستقبليًّا قد يكون بنفس الفعالية.


لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبًا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارًا حاسمًا ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهايةً لطموحات روسيا في ليبيا.



ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. 


حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ “وكالة الاستخبارات المركزية".


وزعم صالح أيضًا في 29 نيسان/أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. وفي المقابل، لعبت أبو ظبي دورًا مباشرًا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 أيار/مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 أيار/مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولاً مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليًا والمتمركزة في طرابلس. وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني “والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولاً أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاقٍ لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وأردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق. 

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضًا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دوراً محورياً في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضًا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لأردوغان وبوتين للعمل معًا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في كانون الثاني/يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا. 

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من أردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الأن.



ثانياً: غاز شرق البحر الأبيض المتوسط يواجه تحديات تجارية وفنية وسياسية

سايمون هندرسون 

معهد واشنطن 

حين أضاءت شعلة عملاقة سماء الليل قبالة ساحل إسرائيل في 23 أيار/مايو، كان ذلك بمثابة تذكير بثروات البلاد من الغاز الطبيعي ومخاوفها البيئية المستمرة. فقد تمّ إشعال فائض الغاز من منصة معالجة على عمق ستة أميال من الشاطئ فيما وصفته الحكومة بـ "إغلاق طارئ". وفي غضون ساعات قليلة تم استئناف الإنتاج من حقل "ليفياثان" - الواقع عميقاً تحت قاع البحر على بعد خمسة وسبعين ميلاً غرباً - الذي يزوّد المنصة بالغاز؛ وفي وقت لاحق تمّ تفسير الحادثة على أنها إنذار كاذب نجم عن فشل في كاشف الغاز. 

وكانت هذه هي المرة الثانية الذي توجّب فيها إشعال الغاز لفترة وجيزة في المنصة منذ أن باشرت عملياتها في نهاية عام 2019 - على ما يبدو إجراء عادي في مرافق بدء التشغيل. (ولم تُشاهد مثل هذه الحوادث الجلية الواضحة في منشأة "تمار" العاملة منذ وقت طويل على بعد ثلاثة عشر ميلاً من ساحل "أشكلون" ["عسقلان"] جنوباً، ويعود السبب في ذلك إلى تصميمها فقط، إذ أن إشعال الغاز الفائض قد يؤدي إلى إذابة المنصة). وكان حقل "ليفياثان" قد بدأ بضخ الغاز في الشبكة الإسرائيلية في كانون الثاني/يناير هذا العام. ويُلبّي غاز "تمار" أساساً الطلب المحلي، لذلك يتم إرسال الإمدادات من الحقل الأحدث والأكبر عبر الشبكة وإلى مصر والأردن.

وفي الوقت الحالي، تستخدم مصر الغاز من حقل "ليفياثان" لتلبية حاجات السوق المحلي حصراً. وتأمل كل من القاهرة والقدس في أن يتم تصدير الأحجام المستقبلية للغاز إلى الأسواق الخارجية الأخرى عبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الخطط معلقة لأن بيع الغاز بهذا الشكل غير قابل للتطبيق في ظل الأسعار الدولية الحالية. كما يعود السبب في التوقف المؤقت في خطط زيادة إنتاج الغاز من حقل "ليفياثان"، الذي تديره شركة "نوبل إنرجي" من ولاية هيوستن الأمريكية، إلى انخفاض الأسعار. ويبدو أن أي محاولة لاستخراج النفط من المكامن الموجودة تحت الطبقات الجوفية الحاملة للغاز هي مجرد وهم في الوقت الحالي.

وفي ظل الظروف الراهنة، تُعتبر الأردن العميل الرئيسي، حيث تستخدم الغاز الإسرائيلي لتشغيل شبكتها لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فإن هذا العقد والترتيب الأصغر لإرسال غاز "تمار" إلى المنشآت الصناعية الأردنية في البحر الميت قد يتعرضان لخطر [توقف التنفيذ] بسبب التطورات السياسية القادمة. وكانت إسرائيل قد أعلنت أن خطوات ضم الأراضي المحتملة في الضفة الغربية قد تبدأ في تموز/يوليو المقبل، الأمر الذي أثار تحذيرات شديدة من قبل الملك عبد الله.

وفي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ككل، لم تؤد عمليات الاستكشاف الأولية للغاز التي تتزعمها فرنسا قبالة سواحل بيروت في وقت سابق من هذا العام سوى إلى إنتاج آثار للموارد الهيدروكربونية، في حين قد يتمّ إرجاء أي تنقيب مستقبلي في منطقة أقرب إلى الخط الملاحي المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل إلى أجل غير مسمى. ومن الناحية النظرية، تتمتع هذه المنطقة باحتمالات جيدة نسبياً للاكتشافات نظراً لقربها من حقلي "تمار" و "ليفياثان". ومع ذلك، تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل (إلّا أن احتياطات كلا الدولتين لا تزال ضئيلة مقارنة باحتياطات دول الخليج العربي). وتضاءلت جاذبية مصر لشركات الطاقة الأجنبية في الآونة الأخيرة بسبب انخفاض الأسعار وضعف الطلب المحلي، إلّا أن هذا الوضع يجب أن يتحسن خلال الصيف بسبب الحاجة الشديدة إلى أجهزة تكييف الهواء والمراوح.

وعبر البحر، لا يزال على تركيا العثور على الغاز في المناطق البحرية التي تطالب بها على الرغم من تعريفها الواسع لمدى امتدادها. وفي محادثة هاتفية بين الرئيس ترامب والرئيس رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، أفادت بعض التقارير أن القراءات التركية قالت إنهما وافقا على "مواصلة السعي لتحقيق الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط". وانصب تركيزهما الرئيسي في هذا الصدد على ليبيا، حيث تدعم تركيا الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس ووافقت على حدود بحرية متبادلة بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد.

وفي الواقع، أضاف النزاع الليبي بُعداً آخر لثلاث منافسات شرق أوسطية متعددة الأوجه: مصر ضد تركيا، اليونان/قبرص في مواجهة تركيا، وإسرائيل ضد لبنان. ويبدو أن العديد من النزاعات المعنية مستعصية على الحل، ولكن هذا لا يعني بالضرورة استحالة حلها.


على سبيل المثال، في الوقت الذي تتمتع فيه إسرائيل بصداقتها مع اليونان وقبرص، إلّا أنها لا تزال تحافظ على علاقات تجارية كبيرة مع تركيا، على الرغم من جو عام من التوتر السياسي بين البلدين. وتجلت إحدى الإشارات على الرغبة المتبادلة لأنقرة والقدس في الحفاظ على علاقات عمل بينهما الأسبوع الماضي، عندما غادرت طائرة شحن تابعة لشركة "إل عال" الإسرائيلية إلى إسطنبول لحمل معدات خاصة بفيروس كورونا لتسليمها إلى الولايات المتحدة. وكانت شركة الطيران الإسرائيلية قد أوقفت رحلاتها إلى تركيا في السنوات الأخيرة بسبب خلاف حول الترتيبات الأمنية، على الرغم من استمرار رحلات [شركات الطيران] التركية من إسرائيل وإليها (على الأقل إلى حين [بدء] إجراءات الإغلاق الأخيرة المتعلقة بانتشار الوباء).


وبشكل عام، يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي - تلك التي تُعزى إلى حد كبير إلى الدبلوماسية الأمريكية. يجب استمرار الانخراط الأمريكي إذا كان سيتمّ التغلب على الصعوبات الحالية واستفادة المزيد من الدول [من الوضع القائم].




خمسة عناصر في الانتفاضة الشعبية الأميركية    


المركز العربي للبحوث والدراسات

بقلم / د. صبحي غندور 


الشرارة كانت في الفيديو الذي أظهر مدى الإجرام والعنف الذي مارسه بعض عناصر الشرطة الأميركية في ولاية مينوسوتا ضد الأميركي الأسود جورج فلويد، ومن هذه الشرارة انطلق لهيب المظاهرات الشعبية في مائة وخمسين مدينة بمعظم الأراضي الأميركية. لكن هل هذه الأنتفاضة الشعبية الأميركية العارمة سببها فقط هذا الفيديو ومقتل فلويد؟!. ألم يحدث أمر مشابه في بداية الأنتفاضات الشعبية العربية حينما كانت الشرارة في اقدام الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في مدينة سيدي بوزيد، ومنها بدأت الثورة التونسية التي أشعلت أيضاً ساحات عربية اخرى؟!.

ويسمع الأميركيون الآن ما سمعته شعوب دول اخرى عن “الأيدي الغريبة” وعن “الجماعات الإرهابية” وعن محاولات اقحام الجيش الأميركي في مواجهات مع المدنيين، إضافة طبعاً لأستغلال المشاعر الدينية ورفع “الكتاب المقدس” أمام الكنيسة المجاورة للبيت الأبيض!.

نعم، أميركا تعيش الآن إنتفاضة شعبية كبيرة امتزجت في أسبابها خمسة عناصر، أثنان منها هما امتداد لممارسات على مدى قرونٍ طويلة بينما العناصر الثلاثة الأخرى هي متزامنة الآن مع حقبة رئاسة دونالد ترامب.

العنصر الأول، هو العنصرية البغيضة التي رافقت الهجرة الأوروبية للقارة الأميركية منذ مطلع القرن الخامس عشر حيث استعبد المهاجرون الأوروبيون الملايين من شعوب أفريقيا واجبروهم على العمل في المستوطنات التي اقاموها داخل الأرض الجديدة إلى حين حدوث الحرب الأميركية الأهلية في منتصف حقبة الستينات من القرن التاسع عشر بسبب إصرار الرئيس إبراهام لنكلون على إلغاء العبودية في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي حدث دستورياً ولم يحدث مجتمعياً، فمشكلة العنصرية في أميركا كانت، ومازالت، هي “في النفوس” وليس فقط “في النصوص”!.

العنصر الثاني المساعد الآن على تفجر الإنتفاضة الشعبية، والمتجذر في التاريخ الأميركي، يكمن في مسألة “العنف” التي رافقت أيضاً غزوات المهاجرين الأوروبيين لأميركا الشمالية، بداية في مواجهة أصحاب الأرض الشرعيين، والذين يُطلق عليهم بهتاناً وزوراً اسم “الهنود الحمر”، ثمّ بين المهاجرين أنفسهم في الصراعات على الغنائم والثروات، وصولاً إلى ما تشهده الولايات المتحدة لأعمال عنف داخلي وقتل جماعي حتى داخل المدارس والجامعات والشركات والمصانع كما حدث عدة مرات في السنوات الماضية.

وما يزيد من حجم مخاطر “عنصر العنف” هو التعديل الثاني في الدستور الأميركي الذي اباح حق امتلاك الأسلحة بدون قيود صارمة ممّا سمح بوجود ميليشيات مسلّحة في أكثر من ولاية أميركية، وبعضها ينتمي لجماعات عنصرية متطرفة. أيضاً، فإنّ عناصر الشرطة في المدن والبلدات الأميركية يخضعون لدورات تدريب لأشهر محدودة، وبعض المدن الأميركية تستعين بخبراء إسرائيليين لتدريب عناصر الشرطة لديها مما جعل “منظمة العفو الدولية” تحتج على ذلك ومعها العديد من مؤسسات المجتمع المدني. وأليس مستغرباً أنّك لتكون محامياً في أميركا تحتاج لعدة سنوات جامعية لفهم ودراسة القوانين بينما يمكنك أن تكون شرطياً بدون حيازة شهادة جامعية وفقط بعد تدريب لأشهر قليلة!.

العناصر الثلاثة الأخرى المساهمة الآن في اشتعال الشارع الأميركي، والمرافقة لحقبة ترامب، والمفسّرة لما يحدث حالياً من حالات سرقة وعنف وسط بعض المظاهرات الشعبية، هي: الفقر والبطالة وتصريحات ترامب. فمحصلة الأشهر الثلاثة الماضية من انتشار وباء كورونا كانت حرمان اكثر من ثلاثين مليون أميركي من العمل ممّا زاد في نسبة البطالة والفقر وحالات الجوع والاضطرار لأخذ تبرعات غذائية في عدة ولايات أميركية. فكيف إذا كشفت أيضاً احصاءات نتائج وباء كورونا مخاطر عدم وجود الضمانات والتأمينات الصحية لدى تجمعات الأميركيين الأفارقة وبعض الأقليات اللاتينية حيث أعداد الإصابات والوفيات بينهم كانت ضخمة جداً.

أمّا تصريحات ترامب بشأن ما يحدث في أميركا الآن فهي كمن يطفئ النيران بصبّ المزيد من الوقود عليها وهو يوماً بعد يوم يزيد نيران غضب الشارع اشتعالاً، فمن تهديد باطلاق النار على المتظاهرين وباستخدام الكلاب البوليسية ضدهم، إلى تحريض حكام الولايات على استخدام القوة واعتقال المتظاهرين والتهديد بانزال الجيش للمدن الأميركية، إلى قمع التجمع البشري أمام “البيت الأبيض” وهو أمر يتناقض مع ما في الدستور الأميركي من نص على حق حرية التعبير للمواطنيين بأشكال مختلفة.

وقد هدّد ترامب بعنف الشارع من مؤيّديه، وهو يدرك بأنّ العديد من الداعمين له في عدّة ولايات أميركية هم أيضاً من دعاة التمسّك بحيازة الأسلحة وهم مستعدّون للنزول للشوارع تأييداً له، بل ربّما باستخدام العنف أيضاً، كما فعل أفرادٌ منهم في أمكنة عدّة مؤخراً بحجة وقف الحجر الصحي أو كما حصل في الأعوام الثلاثة الماضية من ممارسات عُنفية ضدّ مهاجرين لاتينيين أو ضدّ مراكز لأقلّيات دينية وعرقية أو ضدّ جماعاتٍ سياسية مختلفة عنهم.

ففوز ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016 لم يكن العامل الأساس فيه شخصه، ولا طبعاً مؤهّلاته أو خبراته المعدومة في الحكم والسياسة، بل كان العامل الأساس هو الصراع الدفين الحاصل في المجتمع الأميركي بين المتمسّكين بأميركا الأصولية القديمة، التي قامت على الرجل الأوروبي الأبيض البروتستانتي، والعنصري أحياناً، وبين أميركا الحديثة “التقدّمية” التي أصبح أكثر من ثلث عدد سكّانها من المهاجرين من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والتي فيها التسامح الديني والثقافي والاجتماعي، والتي أنهت العبودية وأقرّت بالمساواة بين الأميركيين بغضّ النظر عن اللون والدين والعرق والجنس، والتي أوصلت باراك حسين أوباما ابن المهاجر المسلم الإفريقي إلى أعلى منصب في الولايات المتحدة. وقد نجحت قوى “أميركا القديمة” في إيصال ترامب إلى “البيت الأبيض” حتّى على حساب مرشّحين آخرين من “الحزب الجمهوري” بسبب قيام حملته الانتخابية على مفاهيم ومعتقدات هذه القوى الأميركية “الرجعية”.

القسّيس الأميركي الأفريقي مارتن لوثر كينغ كان من أشهر دعاة الحقوق المدنية في حقبة الستّينات من القرن الماضي، وجرى اغتياله في العام 1968، بعد أن ناضل طويلاً من أجل تأمين الحقوق المدنية للأميركيين الأفارقة، ومن خلال إصراره على تحقيق ذلك بالوسائل السلمية وبنبذ العنف في المجتمع.

وهاقد مضى أكثر من خمسين عاماً على ما جرى إقراره في حقبة الستّينات من قوانين تُنصف الأميركيين الأفارقة الذين عانوا لقرونٍ طويلة من ظلم واستعباد الأميركيين الأوروبيين، وتسبّب تحريرهم من العبودية بحربٍ أهلية بين الولايات الأميركية الشمالية والجنوبية في العام 1861، لكن جرى بعد ذلك حرمانهم من الكثير من الحقوق المدنية رغم أنّ الدستور الأميركي نصّ على المساواة في الحقوق بين المواطنين!.

فالعنصرية ما زالت قضية حيوية الآن في المجتمع الأميركي، وازدهرت مؤخّراً لأسبابٍ عديدة بينها فوز باراك أوباما، الأميركي الأفريقي، بالرئاسة الأميركية لفترتين (2008 -2016)، ممّا أيقظ مشاعر العنصرية الدفينة لدى فئة من الأميركيين، يتواجد معظمها في الولايات الوسطى والجنوبية، وهي تعتقد بتفوّق العنصر الأبيض وحقّه في السيادة على الأعراق الأخرى!. ثمّ جاء عهد دونالد ترامب ليضاعف أكثر من حجم الحساسيات العنصرية لدى البيض والسود معاً، وبحالة معاكسة لما كان عليه الحال في عهد أوباما حيث اعتبر العنصريون البيض أنّ فوز ترامب جاء لصالح معتقداتهم!.

المجتمع الأميركي يشهد الآن درجاتٍ عالية من الفوضى والعنف والانقسام والتحزّب، ولن يكون من السهل إعادة وحدة الأميركيين أو الحفاظ على تنوّعهم الثقافي والإثني في حال جرى تجديد انتخاب ترامب لولايةٍ ثانية، هذا إذا حدثت أنتخابات في موعدها!.


Top