• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

العدد 2 /2020م

Blog single photo

2

2020

ت


الشأن الفلسطيني والصهيوني



حركة فتح على مفترق طرق تاريخي                        مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

د. محسن محمد صالح

بعد أكثر من خمسين عاماً على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني ومؤسساته الرسمية، تجد حركة فتح نفسها أمام استحقاق تاريخي ومفترق طرق، يفرض عليها حسم مساراتها وخياراتها المستقبلية.

تميزت حركة فتح عند انطلاقتها بدينامية عالية وقدرات تعبوية واسعة واستعدادات تضحية كبيرة، فكان بروزها سنة 1965 مفترق طرقٍ، أسهم بشكل أساس في إطلاق روح العمل الوطني الفلسطيني، والمقاومة المسلحة، وفي صناعة القرار الوطني المستقل بعيداً عن هيمنة الأنظمة.

ثم تولت فتح، في مفترق طرق تاريخي آخر، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1968، لتقوم بـ”تثوير” المنظمة، وتطبيق رؤيتها في العمل الوطني والتحرير. ومنذ ذلك الوقت، وفتح تمر بمفترقات طرق، سواء في تموضع المقاومة الجغرافي في الأردن، أم في انتقالها لتتمركز في لبنان، أم تشتتها القسري إلى تونس وغيرها؛ أم في تموضعها السياسي بين مشروع التحرير الشامل، وبين الدولة الديموقراطية الواحدة، وبرنامج النقاط العشر، ومشروع الدولتين، واتفاق أوسلو.

في هذه الأيام، وبعد الإعلان رسمياً عن “صفقة ترامب”، وبعد الفشل المدوي لـ 26 عاماً من مسار أوسلو وانهيار مشروع حل الدولتين، بعد ذلك كله تقف حركة فتح أمام استحقاق تاريخي كبير، قد يسهم في إنقاذ المشروع الوطني، إذا ما تعاملت معه بجرأة ومسؤولية.

هذا المفترق تحتاج فيه حركة فتح إلى وقفة مراجعة جادة، لضبط البوصلة، قبل أن تطحنها الأحداث، وتتلاشى في زحمة التاريخ.

هناك ثلاثة استحقاقات على حركة فتح أن تحسم موقفها منها، وهي تقف على مفترق الطرق:

الاستحقاق الأول: التعامل مع مسار التسوية السلمية: بعد نحو ثلاثين سنة من التجربة، ومن مطاردة “سراب” الدولة الفلسطينية؛ لم يعد ثمة مجال للتأجيل أو الهروب من الاستحقاق. فالأمريكان حسموا أمرهم بالتماهي مع المشروع الصهيوني الليكودي، والمجتمع الصهيوني ازداد عنصرية وتطرفاً، والبيئة العربية المُتبنية لمسار التسوية عاجزة وضعيفة ومفككة، والبيئة الدولية أعجز من أن تفرض قراراً واحداً على الكيان الصهيوني.

وثلاثون عاماً من “السلام” و”نبذ الإرهاب” و”مطاردة قوى المقاومة” و”الاستجداء” في ممرات وزواريب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية لم تقنع الصهاينة وحلفاؤهم أننا شعب يستحق الحياة. وبعد كل ما قدمته فتح… لم يعودوا يرون فيها سوى “أداة وظيفية” لشرعنة الاحتلال وتهويد الأرض والمقدسات وقمع المقاومة. لقد آن لحركة فتح أن ترفع الغطاء وتسحب البساط.

 

الاستحقاق الثاني: الموقف من السلطة الفلسطينية: فحركة فتح التي تولت عبء إنشاء السلطة الفلسطينية، سعياً لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة سنة 1967؛ تجد نفسها الآن تدير سلطة حكم ذاتي، دونما أفق إلا لـقيام “بانتوستانات” ومعازل تحت الهيمنة الصهيونية. وهي سلطة تم تكريس دورها في “خدمة الاحتلال” أكثر من خدمة أهداف الشعب الفلسطيني.

ولم يعد ثمة مبرر أن تقوم حركة مناضلة وحركة “تحرير” كفتح بهكذا دور؛ وهو دور لم يُبقِ منه الطرف الإسرائيلي سوى “المهام القذرة” المتعلقة بالتنسيق الأمني، وما يريد أن يريح نفسه منه كإدارة الحياة اليومية للسكان. والجميع يدرك أن 26 عاماً من الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية، التي تقودها فتح، لم تؤد إلا لتعزيز المشروع الصهيوني، وتوفير الغطاء لمشاريعه الاستيطانية والتهويدية، وضرب قوى المقاومة، وتوفير مبررات التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني عربياً وإسلامياً ودولياً.

ثمة صعوبة بالغة تواجه فتح عند التعامل مع استحقاق السلطة، هي أن عشرات الآلاف من كوادر فتح مرتبطة وظيفياً ومعيشياً بالسلطة ومؤسساتها، وقد كيفوا أنماط حياتهم بناء على ذلك. وأي قرار سواء في “إسقاط السلطة” أو في إعادة تعريفها كـ”سلطة مقاومة”، يمثل استحقاقاً تاريخياً مفصلياً، له أثمانه وتضحياته الكبيرة.

لكن فتح أحبت أم كرهت، قد وصلت أو اقتربت من هذا الاستحقاق؛ وعليها أن تختار بين دفع الأثمان المترتبة على خياراتها الوطنية بالتنسيق مع باقي قوى المقاومة، وبين أن تجد نفسها تَفرُغ تدريجياً من محتواها الوطني والنضالي، لتنتهي محصلة “الماكينة” التي تديرها في الطاحونة الإسرائيلية.

الاستحقاق الثالث: استحقاق البنية الرسمية للمشروع الوطني الفلسطيني: تقود فتح منظمة التحرير الفلسطينية منذ أكثر من خمسين عاماً، كما تقود السلطة الفلسطينية منذ نحو 26 عاماً.

وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى هيمنتها كفصيل على المنظمة، والاحتجاج برفض البيئة العربية والدولية لخط المقاومة أو لـ”الإسلام السياسي”…، فإن الوضع الفلسطيني وصل إلى “نقطة حرجة” لم يعد يحتمل ثمة تأجيل، لمواجهة استحقاقات كبرى على رأسها “صفقة ترامب” وتصفية قضية فلسطين. ولم يعد ثمة “ترف” في الوقت للمناورات والمناكفات السياسية وللمحاصصات الفصائلية.

يعرف جميع المتابعين، كما تعرف فتح، ما تعاني منه منظمة التحرير الفلسطينية من ضعف وتردّ وانهيار مؤسسات. ويرى الجميع ذلك الإصرار الغريب لدى قيادتها على الاستمرار بطريقة القيادة نفسها، وعلى الاستئثار بقيادة المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية وأذرعها التنفيذية، والهيمنة على السلطة الفلسطينية بحكومتها ووزاراتها وأجهزتها.

ويرى الجميع كيف يتم تجاهل دعوة الإطار القيادي المؤقت، ويتم حل المجلس التشريعي، كما يتم تشكيل حكومة فتحاوية، ونحن في ظرف أحوج ما نكون فيه لوحدة وطنية وبرنامج وطني شامل.

أما وأن كل الاستحقاقات التي قامت بها فتح “للتأهل” لتكون مقبولة في البيئة العربية والدولية، أو حسب المعايير الأمريكية، أو حتى وفق الكثير من الاشتراطات الإسرائيلية، لم تؤدّ إلا لتفريغ فتح من محتواها النضالي، في الوقت الذي تم فيه تكريس الاحتلال وطمس قضية فلسطين، فلا بد أن تقف فتح أمام الاستحقاق التاريخي، بالمبادرة الجادة لترميم البيت الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير، على أسس الثوابت والشراكة الوطنية الحقيقية.

لعلنا نكتفي في هذا المقال بهذه الاستحقاقات المفصلية الثلاث باعتبارها تضع حركة فتح أمام مفترق طرق تاريخي، لم يعد بالإمكان تأجيله أو تجاهله، لأن الخاسر الأكبر نتيجة ذلك هو فلسطين، وهو بالتأكيد فتح نفسها.

وهناك استحقاقات تشغل فتح أيضاً مثل الاستحقاق المرتبط بخلافة محمود عباس، وشكل قيادة فتح المستقبلي. وثمة استحقاقات ستنشأ عن حسم فتح لمساراتها تجاه التسوية والسلطة، وتحديد تموضعها في العمل الفلسطيني المقاوم المسلح، وإنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفتح المجال للانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية، وإعادة تفعيل دور فلسطينيي الخارج. وكلها أسئلة ذات طبيعة حيوية ومؤثرة على طبيعة وبنية المشروع الوطني الفلسطيني. لكنها في جوهرها تظل مرتبطة بالاستحقاقات الثلاث.

إن مزيداً من التأخير والتسويف في حسم فتح لقراراتها، لن يعني سوى مزيد من تراجع فتح، وتراجع دورها وتأثيرها، وفقدان هويتها وبوصلتها، خصوصاً بوجود احتلال لم يعد يقبل بها إلا كأداة وغطاء لاحتلاله.


خطة سلام بديلة                                           معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

محمد الدجاني الداودي

سلّط الردّ السلبي المخيب للآمال للكثير من دول العالم العربي إزاء اقتراح السلام الذي أعلن عنه مؤخرًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء على الحاجة الملحة إلى رؤى بديلة لأطروحة السلام، وبخاصة من الجانب الفلسطيني. وكمجتمع دولي، علينا زعزعة أسس هذا الصراع لإحلال السلام. فالمصالحة والسلام التاليان سيغيران العلاقات بين شعوبنا المتصارعة: جزء كبير من المخاوف التي نجدها ملحة في أوقات النزاعات ستصبح أقل إلحاحًا أو حتى ستتبدد في أوقات السلم.

كما أن السعي لإيجاد بديل هو أمر ضروري نظرًا إلى أن استمرار الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) هو سبب لصراع لا ينتهي، ناهيك عن انه وضع لا يمكن له أن يستمر. وفي حين أن مخاطر هذا الوضع القائم ربما تهدد الفلسطينيين بشكل أكبر، يجدر أيضًا بالإسرائيليين أن يفهموا أن الأوضاع لن تبقى على ما هي عليه من دون أن تتدهور: فعدم اعتراف إسرائيل بالسيادة الفلسطينية على أراضيها وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ينتهك القانون الدولي وسيقوّض تدريجيًا مكانة دولة إسرائيل في الساحة العالمية، ويؤجج المشاعر المعادية للسامية عالميًا. 

وعليه، أقترح خطة سلام بديلة مصممة لتكون حقًا عادلة ومنصفة للطرفين. أما خطة السلام هذه، التي صاغها فرد وحددت معالمها سنوات من الخبرة، فليست مصممة لتكون بديلًا شاملًا عن المفاوضات السابقة؛ بل إنها مصممة لتقديم حلول عادلة وجدية للقضايا الأكثر جدلًا في الصراع. وهي تقرّ بالتاريخ المعقد للقضايا الأساسية التي تغذي الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بما في ذلك وضع اللاجئين، والقدس، والحدود، وحق الفلسطينيين واليهود بالسيادة وتقرير المصير في هذه الأرض المقدسة. وهي تقترح بعد ذلك سبيلًا لحل هذه القضايا يقرّ ويأخذ في الحسبان مخاوف الطرفين وتطلعاتهم المستقبلية.

الاعتراف المتبادل: الدولة والحدود

يتمثل المبدأ الأساسي لهذه الاتفاقية البديلة في أن إعلان دولة لكل شعب هو نقطة انطلاق ضرورية. فستقام دولة فلسطينية سيادية ومستقلة وعلمانية في الضفة الغربية وقطاع غزة بجوار دولة إسرائيلية سيادية ومستقلة ويهودية. ومن شأن إقامة دولة رسمية أن تضع حدًا لعلاقة الاحتلال-المحتل بين شعبيْ فلسطين وإسرائيل.

وفي حين سيتمّ الاعتراف والإقرار بهاتين الدولتين بشكل متبادل، على الطرفين أيضًا الإقرار بالروابط التاريخية العميقة المتبادلة بالأرض التي يتنازع عليها الطرفان بشدة. وستعترف إسرائيل بأن الأرض المقدسة هي أرض الشعب الفلسطيني، وبدورها ستقرّ فلسطين بأن الأرض المقدسة هي أيضًا أرض الشعب اليهودي. كما سيحترم الفلسطينيون السيادة الوطنية وحق تقرير المصير للشعب اليهودي في أرض الأجداد، بما يضع حدًا لأكثر من 1900 عام من المنفى والشتات والاضطهاد. أما الإسرائيليون، فسيقرون بالسيادة الوطنية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في أرض الأجداد القائمة على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 181 والمعروف أيضًا باسم خطة تقسيم فلسطين الصادرة عن الأمم المتحدة في العام 1947.

وسيطال هذا الاعتراف الأقليات أيضًا في الدولتين: فسيقبل الفلسطينيون بشرعية الحقوق التاريخية لليهود في فلسطين وسيقبلون بأقلية يهودية تعيش في دولة فلسطين المستقلة وتتمتع بكافة حقوقها المدنية أسوةً بالأغلبية العربية. من جهتها، ستتمتع الأقلية العربية في إسرائيل بكافة حقوقها المدنية أسوة بالأغلبية اليهودية. وسيُمنح الفلسطينيون اليهود في دولة فلسطين والإسرائيليون العرب في دولة إسرائيل خيار حمل جنسيتين. وسيساهم هذا الاعتراف المتبادل إلى حدّ كبير في وضع حدّ للكراهية والعداوة بين الشعبين.

وما إن يتمّ ترسيخ هذا الاعتراف المتبادل، ستبرز أطر سياسية أساسية بين الدولتين. وسيصوت الإسرائيليون لانتخاب أعضاء الكنيست الإسرائيلي، في حين سيدلي الفلسطينيون بأصواتهم لانتخاب نوابهم في البرلمان الفلسطيني. على نحو مماثل، ستنظر المحاكم في الدعاوى القضائية المقامة في فلسطين وفقًا للقوانين الفلسطينية وستطبق القوانين الإسرائيلية في محاكم إسرائيل. غير أن يهود فلسطين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية سيتمتعون حصرًا بخيار الخضوع لقوانين إسرائيلية، حيث ستحاكمهم المحاكم الإسرائيلية بحسب القانون الإسرائيلي الخاص والجنائي. ومن شأن هذا الترتيب أن يحترم حق اليهود بعدم الخضوع للقوانين الفلسطينية خارج نطاق القانون العام والإداري.    

وعلى الصعيد الأمني، ستكون دولة فلسطين منزوعة السلاح. وتُعتبر حالتا اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية خير مثال على كيفية تحويل وجهة استعمال الأموال التي كانت لتخصص للنفقات العسكرية بدلًا من ذلك لتحسين البنية التربوية والاجتماعية وبناء الاقتصاد، مما جعل الدولتين من الدول الأكثر نفوذًا والأكثر نجاحًا اقتصاديًا وصناعيا.

وسيسمح عدم وجود العبئ المالي لجيش نظامي لدولة فلسطين بتحويل مواردها المالية والبشرية المحدودة لتطوير اقتصادها وإمكانياتها العلمية والتكنولوجية. وبهدف ضمان الأمن، ستوقع إسرائيل وفلسطين معاهدة أمن متبادلة تضمن سلامة وأمن الشعبين. كذلك، سيساعد المجتمع الدولي دولة فلسطين على التصدي للتطرف الديني والتهديدات التي تطرحها المنظمات الإرهابية الراديكالية الداخلية والخارجية. 

وستكون الحدود المعترف بها لإسرائيل وفلسطين هي نفسها حدود ما قبل العام 1967 مع تعديلات يتفق عليها الطرفان ومبادلات أراضٍ بالتراضي – وهو مبدأ وافق عليه الطرفان أساسًا. وستكون الأراضي المتبادلة متساوية من حيث الحجم والنوعية. لكن بخلاف نموذج الدولة القومية النموذجية، ستبقى بعض المنافذ قائمة على الحدود بين الدولتين. وفي عالم اليوم، تتضاءل الحاجة إلى ترسيم الحدود.     

 

وسيُسمح للشتات الفلسطيني، الذي تشرد بفعل حربيْ 1947-1948 و1967، بممارسة حق العودة إلى دولة فلسطين. غير أن مطلب السماح لهؤلاء اللاجئين بالعودة إلى منازلهم الأصلية في دولة اسرائيل لم يعد واقعيًا أو عمليًا نظرًا إلى التطورات العالمية والإقليمية والمحلية التي حصلت منذ العام 1948 وما يتطلبه ذلك حرمانهم من الانتماء لدولتهم ولهويتهم الفلسطينية.

أما بالنسبة لأولئك الذين يختارون عدم ممارسة حقهم بالعودة إلى دولة فلسطين، فسيحصلون على تعويض بفضل الأصول المخصصة لتطبيق خطة السلام. وسيكون ذلك من خلال اتفاق مشترك بين دولة إسرائيل والدول العربية المنتجة للنفط والمجتمع الدولي من أجل التعويض ماديًا على الفلسطينيين المشردين بفعل الحروب التي اندلعت بعد العام 1947. وستساهم هذه الأصول بشكل أساسي في تسهيل إعادة توطين واستيعاب اللاجئين في موطنهم الطبيعي. وسيحل ذلك محل الخدمات الدولية على غرار "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" ("الأونروا") التي كانت مصممة أساسًا لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين. وعلى نحو مماثل، سيحصل اللاجئون اليهود الذين أرغموا على الهرب من الدول العربية أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات على تعويضات من هذه الأموال نفسها.   

القدس

تؤدي مناقشة حدود الأراضي والجنسية حتمًا إلى المسألة الشائكة على نحو خاص ألا وهي مدينة القدس. فلا بدّ لتحديد وضع هذه المدينة التاريخية المقدسة التي تجمع الأديان السماوية الثلاثة من أن يستند أيضًا إلى الاحترام المتبادل والإقرار بوضعها الخاص. وينظر كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين، وهم محقون بذلك، إلى القدس باعتبارها مدينة قيّمة وعزيزة على قلوبهم، ولا بدّ من الإقرار والاعتراف بهذه الأهمية الدينية الفريدة من نوعها واحترامها في أي اتفاق نهائي.  

كما يجب الاعتراف بالقدس على أنها مدينة "مزدوجة الهوية". فمدينة القدس داخل أسوار البلدة القديمة – التي بناها السلطان العثماني سليمان القانوني منذ أكثر من 500 عام – هي "المدينة الدينية" المذكورة في كافة الكتب المقدسة وتضمّ مواقع تتسم بدرجة عالية من القدسية لكافة الديانات السماوية. وخارج جدران البلدة القديمة تقع "القدس الحديثة" التي تمّ ضمها إلى المفهوم الأشمل للقدس خلال السنوات المئة الماضية. وهذه الأرض التي ضمتها بلدية القدس هي التي يمكن تشاركها كعاصمتين لإسرائيل وفلسطين.  

تجدر الملاحظة أنه ثمة اختلافات جذرية من حيث المعنى والمكانة بين "المدينة القديمة" القيّمة دينيًا و"المدينة البلدية" ذات الثقل الإداري. وعليه، لا بدّ من إخضاعهما لنماذج حوكمة مختلفة. ففي وقت يجب فيه إبقاء المدينة موحدة جغرافيًا – مع عدم استعمال جدران حديثة وأسلاك شائكة، سيتمّ وضع مدينة القدس القديمة تحت سيادة حكم الله – التي تعتبر السلطة المقدسة التي تعترف بها وتحترمها كافة الأطراف. وستتمركز الهيكليتان الحكوميتان الفدراليتان، البرلمان/الكنيست والمحاكم العليا في إسرائيل وفلسطين خارج البلدة القديمة أي المدينة المقدسة، أي في القدس الغربية والقدس الشرقية على التوالي. وستتولى بلدية تمثل كافة سكان القدس إدارة شؤون المدينة ككل على أساس يومي. 

غير أن المواقع الدينية المقدسة في المدينة ستكون مفتوحة أمام الجميع. وحاليًا، يُسمح للمسلمين بزيارة المواقع المقدسة اليهودية والمسيحية، على غرار حائط المبكى وكنيسة القيامة في القدس. وعليه، سيُسمح لغير المسلمين بدخول المواقع المقدسة المسلمة على غرار الحرم الشريف والمسجد الأقصى.  

وفي الوقت الراهن، صحيح أن القدس موحدة كأرض ولكنها مقسمة ديمغرافيًا وسياسيًا ونفسيًا ودينيًا. ورغم أن الوضع الحالي يعكس هذه الانقسامات وكأنها وضع قائم "بحكم الواقع"، تقترح هذه الخطة فرض وضع متبادل بحكم الواقع وبحكم القانون يقرّ بهذه الانقسامات مع توفير سبيل يكفل ارتباطات الطرفين السياسية والدينية بالمدينة.   

التعاون والتعايش

رغم أن هذه الخطة تقترح إقامة دولة، إلا أنها تقرّ في الوقت نفسه بالترابط الفريد الذي يختبره أساسًا الإسرائيليون والفلسطينيون.

وسيكون للفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة حق السفر بحرية والعمل في إسرائيل. كما سيُسمح للإسرائيليين بالتحرك بحرية والعمل في دولة فلسطين المستقلة.

هذا وسيتمّ إنشاء لجنة مشتركة مهمتها تطبيق منهج تربوي للسلام يعلّم المواطنين في الدولتين تاريخ وثقافة الشعبين اليهودي والفلسطيني – إلى جانب معنى وأهمية الأرض المقدسة بالنسبة لكل مجتمع تمهيدًا لتطبيق هذه الخطة. وستشرف هذه اللجنة المشتركة على التعليم بكافة مستوياته بغية ضمان خلوّه من التلقين العقائدي والكراهية والتحريض.  

أما التعاون الاقتصادي بين إسرائيل وفلسطين، فسيهدف إلى ضمان الرفاه والازدهار للشعبين. وعلى غرار قضية اللاجئين الناتجة عن حرب 1948، سيموّل المجتمع الدولي والدول العربية المنتجة للنفط بناء البنى التحتية والاقتصاد في فلسطين بشكل كامل بواسطة الأموال التي كانت مخصصة نظريًا للنفقات العسكرية.  

رسم مسار سلام

سيتمّ تطبيق الأقسام المذكورة أعلاه لخطة السلام على مراحل في إطار جدول زمني يتفق عليه الطرفان، مما يشجعهما على الوفاء بالتزاماتهما ضمن الاتفاقات السابقة ووضع تدابير بناء الثقة الضرورية لأي اتفاق سلام فعال. وستشرف الولايات المتحدة، في إطار دورها التاريخي كطرف ثالث في المفاوضات، على لائحة الخطوات التي يجدر بالطرفين اتخاذها تطبيقًا لهذه الخطة. كما سيضطلع الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بدور إيجابي في بناء الروابط بين الشعبين.    

وتحقق خطة السلام المقترحة هذه الحلم الفلسطيني بتقرير حقه في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية والحلم الصهيوني بتقرير الشعب اليهودي مصيره في دولة إسرائيل وعاصمتها القدس الغربية مغ استمرارية بقاء المدينة موحدة مما ينزع فتيل المظالم الشرعية التي تؤجج كره الفلسطينيين للصهيونية. ومن خلال تحقيق هذا الإنجاز، لن يبقى ترسيم الحدود النهائية بين إسرائيل وفلسطين مسألة مثيرة للجدل بهذا القدر، إذ إن الحدود المقترحة في هذه الخطة تحدد ببساطة أماكن عمل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية – ولا تقيم حاجزًا مدنيًا يمنع الإسرائيليين والفلسطينيين من التنقل في أرجاء وطنهم التاريخي.     

ومن الممكن – بواسطة تفكير مبتكر وإبداعي واقتراحات متطورة وخارجة عن المألوف – وارساء الثقة أن ينتهي هذا الصراع. لكن كي يقبل العالم العربي والاسلامي بدولة يهودية وبحق اليهود بتقرير مصيرهم وبمنحهم حقوقًا سكنية في الأرض المقدسة، يجب أن يبادلهم اليهود هذه المبادرة من خلال الاعتراف بالسيادة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. 

وسيكون هذا الاعتراف المتبادل بالسيادة وحق تقرير المصير في الأرض المقدسة مقدمة لليهود والفلسطينيين ليؤمنوا مجددًا بإمكانية التسوية والسلام والتعايش.

ومن شأن القبول بخطة السلام هذه أن يشكّل تقدمًا في عملية إقامة علاقات بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب وكذلك العالم الاسلامي.

هذه خطة سلام ربح-ربح تعود بالفائدة على الشعبين.

ملاحظة المحرر: نظرًا إلى أن هذا المقال هو خطة سلام بديلة، لا بدّ من تسليط الضوء على عدة نقاط رئيسية مشتركة ومتعارضة مع الاقتراح الحالي الذي قدمته إدارة ترامب. فمن جهة، توافق خطة الدجاني على جانبًا مثيرًا للجدل لخطة السلام الأخيرة، وهو الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وفي المقابل، تعدل هذه الخطة البديلة ما تضمنته خطة ترامب بشأن القدس واقتراحات الحدود الراهنة التي دعت لها صفقة القرن، لتقدم عوضًا عن ذلك فهمًا مختلفًا جوهريًا لحدود الدولة والبلديات – بما يتواءم بشكل أكبر مع نموذج الاتحاد الأوروبي. وبخلاف الخطة الأمريكية المقترحة للسلام التي تنادي بإقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف، فإن خطة الدجاني تدعو الى إقامة الدولة الفلسطينية في باكورة المسيرة السلمية، كشرط مسبق ضروري للدخول في المزيد من المفاوضات.

مشكلة خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

دينس روس و ديفيد ماكوفسكي

لا يمكن لإدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت خطة السلام التي وضعتها بمثابة مناورة افتتاحية لإطلاق حل وسط أو أمر واقع يحول دون ذلك. ورداً على سؤال حول ردود الفلسطينيين على الخطة، قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، "آمل أن يقدموا عرضاً مقابلاً إذا ما كان قد عُرِض غير مقبول". وهذا أمر عادل بما فيه الكفاية، باستثناء إعلان ديفيد فريدمان، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، أن بإمكان إسرائيل ضم أراضي من جانب واحد، تلك الأراضي المخصصة في الخطة، بمجرد إنهاء لجنة ثنائية أمريكية -إسرائيلية عملها على تحديد حدود إسرائيل بدقة. ولكن إذا كان ضمّ إسرائيل للأراضي الخطوة الأولى ضمن الخطة وتمّ تنفيذها فعلاً خلال الأشهر المقبلة، فسيحول ذلك دون تقديم أي عرض فلسطيني مقابل.

وربما أن هذه الاستراتيجية هي ببساطة أسلوب الإدارة الأمريكية لممارسة أقصى قدر ممكن من الضغط على الفلسطينيين، من خلال الإشارة إلى أن الاحتمالات المتاحة أمامهم ستتقلص ما لم يقدّموا عرضاً مقابلاً؛ على أية حال، إذا كان الأمر كذلك، فما معنى الحدود التي تضعها اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية الثنائية في صيغتها النهائية إذا كان بإمكان الفلسطينيين اقتراح خريطة بديلة؟

غير أن كلا المقاربتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين وواقعيتين.

بالإضافة إلى ذلك، لكي تنجح الخطة، يجب أن تؤخذ بجدية من قبل طرف آخر غير الإسرائيليين. وفي الوقت الحالي، تشعر الإدارة الأمريكية بالارتياح من عجز الفلسطينيين عن حشد الدعم الدولي لرفضهم القاطع للخطة - فالبيانان التمهيديان من "جامعة الدول العربية" و"منظمة التعاون الإسلامي" يتضاءلان في أهميتهما بالمقارنة مع عدم قدرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على نحو غير معهود، على حشد 9 أصوات في "مجلس الأمن الدولي" لتقديم قرار يدين الخطة الأمريكية.

ومع ذلك، يجب أن لا يكون لدى الإدارة الأمريكية أي أوهام. صحيح أن دول أخرى قد لا تدعم الفلسطينيين، لكن على غرار ممثلي الدول الأوروبية وغيرهم في الأمم المتحدة، يتجه الميل العام نحو تسليط الضوء على أوجه القصور في الخطة. والأسوأ من ذلك، يُظهر استطلاع للرأي بين الفلسطينيين أنهم - وليس القادة فقط - يرفضون الخطة بأغلبية ساحقة. وربما لم يعد الفلسطينيون يؤمنون بقيادتهم بالذات، لكنهم يرون خطة ترامب كاقتراح ليس لإقامة دولة بل كإهانة.

ولا يمكن للفلسطينيين أن يتغاضوا عن خارطة تُنتِج دولة مقطعة الأوصال، محاطة بإسرائيل بصورة كاملة، وأراضيها مقسمة وتحتضن 128 مستوطنة إسرائيلية، من بينها 77 مستوطنة خارج الجدار الأمني ​​أو شرقه. وحيث أن إسرائيل مسؤولة عن الوضع الأمني العام وتتحكم بحركة الدخول والخروج من الدولة الفلسطينية، فما تسفر عنه الخطة لا يبدو كدولة للفلسطينيين. وفي حين تحظى إسرائيل بحق المباشرة بضمّ الأراضي وتلبية احتياجاتها الأمنية بشكل مفهوم، فإن الفلسطينيين لن ينعموا بما يسميه وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس "الحكم الذاتي الموسع" المذكور في الخطة ما لم يفوا بجميع التزاماتهم، بما فيها نزع سلاح «حماس» في غزة - الأمر الذي تجنبته إسرائيل.

ومن السهل رفض خطة مماثلة، إذ يستحيل على القادة العرب أن يشيروا إلى أي محاسن في خطة ترامب وبالتالي أن يقروا بميزاتها. ولذلك، تجنبت مصر والأردن والسعودية والإمارات والمغرب إلى حد كبير النقد أو التعليق المباشر على الخطة ودعت بدلاً من ذلك إلى إجراء مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويعكس الموقف العربي شعور العرب المتزايد بالإرهاق من رفض فلسطيني مستمر (وتاريخي) بالإضافة إلى حقائق جديدة في المنطقة. فالعديد من القادة العرب يعتبرون أن التعاون مع إسرائيل ضروري بالنظر إلى التهديدات المشتركة التي يواجهونها وإيمانهم بأن أمريكا غير قادرة على ردع تلك التهديدات. فهم يريدون أن يكونوا قادرين على العمل مع إسرائيل ليس في الظل بل في وضح النهار، وهم محبطون بشكل متزايد من قبل قيادة فلسطينية منقسمة وغير قادرة على صنع السلام، ناهيك عن تقديمها مقترحات مضادة جادة.

وإدارة ترامب ليست مخطئة في سعيها إلى تعديل توقعات الفلسطينيين. كما أنها ليست مخطئة في إبلاغ الفلسطينيين أن هناك تكلفة لرفض الخطة.

قد يكون من الصواب الإشارة إلى أن الوقت ينفد بالنسبة للفلسطينيين إذا كانوا يريدون دولة خاصة بهم، ومن الأفضل اغتنام الفرصة قبل أن تكون البدائل الوحيدة المتاحة لهم هي الأسوأ.

لكن الإدارة الأمريكية كانت مخطئة في الاعتقاد بأن عرضها سيؤخذ كخطوة أولية موثوقة. ولكي تكون ذات مصداقية، كان يجب أن ينص عرضها على توفير دولة متصلة الأراضي في معظم أراضي الضفة الغربية وليس دولة واحدة مجزأة إلى حد كبير في حوالي ثلثي هذه الأراضي.

ومن المفارقات أن الرئيس ترامب أشار إلى الخريطة التي تم الكشف عنها في حفل البيت الأبيض كخريطة (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، تقدم للفلسطينيين أقل بكثير مما حدده نتنياهو للكنيست في عام 2010. وفي ذلك الوقت، قال على انفراد لوزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الحين هيلاري كلينتون أن بإمكانه تصوّر حصول الفلسطينيين على حوالي 90 في المائة من [أراضي] الضفة الغربية.

ومفارقة أخرى هي أنه بينما لا يُعتبر الوقت في صالح الفلسطينيين بسبب ازدياد الاستياء من رفض الخطة، إلا أنه ليس في صالح الإسرائيليين أيضاً. على إسرائيل التنبه إلى عدم تجاوز الخط الذي يُفقدها قدرتها على الانفصال عن الفلسطينيين - وتصبح الدولة الواحدة لشعبين هي الخيار الوحيد. وعلى وجه التحديد، لأنه لا يمكن لأي فلسطيني أو عربي أن يروّج لخطة ترامب باعتبارها استجابة جدية للتطلعات الوطنية الفلسطينية، فإن التوصل إلى حل الدولة الواحدة يصبح أكثر ترجيحاً.

والمفارقة الأخيرة هي أنه إذا أراد الرئيس ترامب الالتزام بكلماته والتعامل مع الخطة على أنها "رؤية" يمكن تعديلها، ولن يسمح بأي عمليات ضم للأراضي ضمن إطار السنوات الأربع التي منحها للفلسطينيين للتفاوض بشأن هذه المسألة، وتعاوَنَ مع الأوروبيين والعرب في تنفيذ مشاريعه الاقتصادية التي تنص عليها "رؤيته" من أجل التأكيد للفلسطينيين أن التغيير سيكون حقيقياً، فقد يتمكن من إنقاذ خطته. وقد تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لمنع التوصل إلى حل الدولة الواحدة - وهي حصيلة تفقد فيها إسرائيل هويتها اليهودية أو الديمقراطية بينما يفقد الفلسطينيون دولة خاصة بهم.

وقد تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لإيجاد حل للتناقض الجوهري في مقاربة ترامب: تقديم مناورة افتتاحية تؤدي إلى التوصل إلى حل وسط ولا تخلق واقعاً لا رجوع عنه يجعل التسوية مستحيلة.

 

v      الشأن الإقليمي



"درع الربيع": معركة الحفاظ على الدور التركي في سوريا

الجزيرة للدراسات

أطلقت تركيا، فجر الأول من مارس/آذار 2020، عملية درع الربيع في منطقة إدلب، شمال غربي سوريا. جاءت العملية بعد أسابيع من الحشد التركي العسكري الكبير في محيط المحافظة السورية، أو ما تبقى منها تحت سيطرة المعارضة المسلحة، بعد أسابيع من تقدم قوات النظام السوري والميليشيات المرتبطة بها فيما يُعرف منذ سبتمبر/أيلول 2018 بمنطقة عدم التصعيد. كما جاءت العملية بعد يومين فقط من استهداف قوات النظام السوري لقافلة عسكرية محمولة تركية في جوار إدلب، موقعة 36 قتيلًا وعشرات الجرحى في صفوف القوة التركية.

وكان سبق إطلاق العملية، ومباشرة بعد استهداف دورية الجيش التركي، قصف واسع النطاق لمواقع وآليات ومعسكرات ومخازن قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية المرتبطة بها، قامت به القوات التركية، مستخدمة المدفعية الثقيلة، والصواريخ، والطائرات المسيرة. أوقع القصف التركي خسائر فادحة بقوات النظام السوري وبعناصر حزب الله والميليشيات الشيعية التي يقودها ضباط من الحرس الثوري الإيراني، موهنًا هذه القوات وقدرتها على القتال والصمود.

هذه هي العملية العسكرية الرابعة للجيش التركي في سوريا منذ درع الفرات (2016)، وغصن الزيتون، أو عفرين (2018)، وينابيع السلام، أو شرق الفرات (2019). فما هي دلالات العملية التركية العسكرية الجديدة؟ ولماذا اضطرت إليها تركيا أصلًا؟ وأية أهداف يعمل الأتراك على تحقيقها من هذه العملية؟ وما احتمالات استمرار القتال حتى تحقيق أهداف عملية درع الربيع، أو التوصل إلى اتفاق سياسي بين تركيا وروسيا يضع قواعد جديدة لمنطقة عدم التصعيد؟

الطريق إلى الحرب

تعود فكرة مناطق عدم التصعيد، التي استهدفت تقليص مساحة، وخفض درجة النزاع في سوريا، إلى مباحثات أستانة، 2017. ولكن الاتفاق حول حدود وشروط منطقة عدم التصعيد في إدلب تم التوصل إليه في مباحثات تركية-روسية في سوتشي، سبتمبر/أيلول 2018. لم ينشر النص الرسمي لاتفاق سوتشي من أي من أطرافه، ولكن بعضًا من التفاهمات التي تضمَّنها الاتفاق عُرفت بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ضمت منطقة عدم التصعيد التي تشارك تركيا في الإشراف عليها معظم محافظة إدلب، وأجزاء من ريف حماة الشمالي وريف حلب الجنوبي-الغربي، على أن تقام نقاط مراقبة عسكرية تركية في محيط كامل المنطقة للتأكد من وقف إطلاق النار وتنفيذ التفاهمات الأخرى بشأن المنطقة. تتهم روسيا تركيا بالإخفاق في الوفاء بتعهداتها في إدلب، سيما من جهة تأمين طريقي إم 4 وإم 5 الضروريين لإنعاش اقتصاد الشمال السوري الغربي برمته. كما أن تركيا تتهم النظام والميليشيات المرتبطة به، إضافة إلى القوات الروسية الجوية، بالإخفاق في الوفاء بتعهداتها في وقف إطلاق النار، واستمرت في استهداف مواقع المعارضة المسلحة والمدنيين على السواء.

ولأن المنطقة تحتضن ليس سكانها وحسب، بل ومئات الآلاف من المهجرين من مناطق سورية أخرى، أصبح أمن وسلامة السكان مسألة حيوية لتركيا، التي تخشى تدفق موجة أخرى من اللاجئين السوريين عبر الحدود، إضافة إلى الثلاثة ملايين ونصف المليون من اللاجئين السوريين، الذين تستضيفهم منذ سنوات. كما باتت أنقرة تخشى من أن خسارة إدلب قد تؤدي إلى مطالبة سورية-روسية بإخلاء المناطق التي تخضع لإدارة تركية مباشرة في الباب وجرابلس وعفرين وشرق الفرات، مما سيؤدي إلى تهديد مباشر للأمن القومي التركي، طالما ظلت سوريا ساحة نزاع وظلت الجماعات المسلحة المرتبطة بحزب العمال الكردستاني نشطة في أكثر من منطقة سورية.

مستخدمةً ذريعة عدم تنفيذ تركيا تعهداتها في إدلب، بدأت قوات النظام سلسلة من الهجمات على منطقة عدم التصعيد التركية منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي (2019)، متجاوزة نقاط المراقبة التركية العسكرية في محيط المنطقة. وبالرغم من محاولات تركيا التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا، كانت قوات النظام، وبمساندة من الطائرات الروسية، تعود لاستئناف هجماتها، بعد ساعات قليلة من الإعلان عن وقف إطلاق النار في بعض الأحيان.

ولم يعد ثمة شك -في ضوء التصريحات الروسية المتكررة بتحميل تركيا مسؤولية تصاعد التوتر في منطقة عدم التصعيد- أن روسيا تؤيد، أو على الأقل لا تعارض، مساعي النظام فرض السيطرة الكاملة على إدلب، وطرد القوات التركية من المنطقة، بغضِّ النظر عن حجم الخسائر بين المدنيين أو حجم المأساة الناجمة عن موجة لجوء جديدة لسكان إدلب.

خلال الشهور الثلاثة الماضية، نجحت قوات النظام في طرد المعارضة المسلحة، ومعها مئات الآلاف من السكان المدنيين، من خان شيخون، ومعرة النعمان، وسراقب، ومعظم تمركزات المعارضة في ريفي حلب وحماة، مهددة منطقة جبل الزاوية الاستراتيجية ومدينة إدلب نفسها. لفترة قصيرة، نجحت قوات النظام في فتح الطرق السريع الممتد بين حلب ودمشق، وبدأت سلسلة من الهجمات لفتح الطريق السريع المتفرع منه، بين حلب واللاذقية، محاصرة العديد من نقاط المراقبة التركية. ولم تُخْفِ قوات النظام نواياها حول إجبار القوات التركية على الخروج من إدلب، وذلك بتوجيه نيرانها بصورة متفرقة إلى هذه القوات، موقعة عددًا من القتلى بين صفوفها.

لحماية جنودها في نقاط المراقبة، وردع قوات النظام عن استهداف المدنيين ومنع تقدمها إلى المزيد من المدن المكتظة بالسكان، بدأت تركيا حشدًا منظمًا ومخططًا لقواتها في إدلب، بما في ذلك قطع المدفعية الثقيلة، والدبابات، والقوات المحمولة، والقوات الخاصة. وفي الخامس من فبراير/شباط، ألقى الرئيس التركي، أردوغان، خطابًا، تضمن إنذارًا للقوات السورية بالتراجع إلى ما خلف حدود اتفاق سوتشي لعدم التصعيد، ممهلًا النظام حتى نهاية فبراير/شباط لتنفيذ هذا الانسحاب.

كان واضحًا أن المهلة الطويلة نسبيًّا، التي رافقها استمرار الحشد العسكري التركي في إدلب، قُصد بها دفع روسيا، صاحبة الأمر والنهي في مجريات الصراع على سوريا، إلى التفاوض للتوصل إلى تسوية جديدة. بيد أن روسيا لم تستجب للمبادرات التركية. وبالرغم من أن خبراء عسكريين ودبلوماسيين من الطرفين التقوا في ثلاث جولات طوال فبراير/شباط، لم تنجح المفاوضات في التوصل حتى لاتفاق لوقف إطلاق النار.

كما لم يستجب النظام السوري لإنذار الرئيس التركي؛ وفي المقابل، ألقى الرئيس السوري خطابًا حمل نَفَسًا انتصاريًّا، وجَّه فيه التحية لقوات جيشه وما أسماه "القوات الرديفة"، أو الميليشيات الشيعية، التي يبدو أنها تحملت العبء الأكبر في اندفاعة النظام إلى منطقة عدم التصعيد. وبينما استمر الجيش التركي في حشد قواته في محافظة إدلب، وقبل يومين فقط من نهاية فبراير/شباط، قصفت قوات النظام قافلة محمولة للجيش التركي قرب مدينة إدلب، موقعة خسائر كبيرة، وغير مسبوقة، بالقوات التركية (36 قتيلًا وعشرات الجرحى). أثارت الخسائر في صفوف القوات التركية غضبًا واسع النطاق في مختلف أنحاء تركيا، وربما كانت الدافع الرئيس خلف حسم القرار التركي بالذهاب إلى الحرب.

استرداد المبادرة

خلال ساعات من الهجوم السوري بعد ظهر 27 فبراير/شباط، جاء الرد التركي هائلًا ومدمرًا. وحتى صباح الأول من مارس/آذار، عندما أُطلقت عملية درع الربيع رسميًّا، أوقع القصف التركي المنهجي خسائر فادحة بقوات النظام السوري ومعداته، وبالميليشيات الشيعية المرتبطة به، سواء تلك التي تنتمي لحزب الله اللبناني، أو تلك التي تشرف عليها وتوجهها قوات الحرس الثوري الإيراني. كما ساعد القصف التركي قوات المعارضة السورية المسلحة على استرداد مدينة سراقب من قبضة قوات النظام، وبالتالي استعادة السيطرة على مفترق طريقي حلب-دمشق وحلب-اللاذقية السريع. وقد أشارت شدة القصف ونطاقه إلى أن العملية التركية العسكرية أصبحت وشيكة بالفعل.

ما ساعد الجيش التركي على التمهيد لبدء عمليته كان النجاح، غير المسبوق في جبهات المعركة النشطة، في نشر واستخدام الطائرات المسيرة كأداة مباشرة في الحرب. ولم يكن خافيًا، طوال الأيام الخمسة، من 27 فبراير/شباط إلى 2 مارس/آذار، أن غياب الطيران الروسي عن ساحة المعركة، أفسح المجال ربما للجيش التركي للثأر لخسائره التي أوقعها القصف السوري على القافلة التركية المحمولة.

أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الذي كان أيضًا قائد أركان الجيش التركي قبل تعيينه وزيرًا للدفاع، ومن يشرف على عملية درع الربيع، أن هدف العملية هو تأمين نقاط المراقبة التركية، وتأمين الحدود، والحفاظ على أمن وسلامة المدنيين في إدلب، وإجبار النظام على احترام اتفاق سوتشي وإعادة قواته إلى ما خلف خطوط منطقة عدم التصعيد.

خلال اليوم الأول للعملية، أظهرت القوات التركية كفاءة بالغة، كاشفة عن قوة نيران فائقة. أسقطت طائرات تركية طائرتي سوخوي للنظام السوري بدون أن تخترق مجال سوريا الجوي، ثم أسقطت بعد ذلك طائرة حربية ثالثة؛ مما أدى إلى تراجع النظام عن نشر سلاحه الجوي في ساحة المعركة، وتعرض منشآت مطار النيرب العسكري السوري للتدمير، وإخراج المطار كلية عن العمل. كما ساعدت السيطرة بالنيران التركية قوات المعارضة المسلحة على التقدم في أكثر من جبهة قتال نشطة، بما في ذلك جبل الزاوية، وجنوب إدلب، وريف حلب. وكشفت مراقبة الاتصالات العسكرية السورية، التي تقوم بها مجموعات المعارضة، عن ذعر كبير في أوساط قوات النظام والميليشيات المرتبطة به، وعن اتهامات صريحة للروس بالتخلي عن هذا النظام.

أصدر المركز الإيراني للمستشارين العسكريين في سوريا بيانًا وجَّه فيه اللوم لتركيا لاستهداف مواقع الميليشيات الشيعية التي يقودها المستشارون الإيرانيون. كما أصدرت موسكو بيانًا غامضًا مساء يوم العملية التركية الأول يقول بأن روسيا لن تستطيع ضمان أمن الطائرات التركية بعد أن أعلنت دمشق عن إغلاق المجال الجوي في منطقة عدم التصعيد. ما فُهم من البيان الإيراني، أن إيران وحلفاءها مصممون على الاستمرار في المشاركة في جهود النظام السوري العسكرية. وما فُهم من بيان موسكو أن الطيران الروسي سيعود إلى التحليق في منطقة عدم التصعيد وتوفير الدعم لقوات النظام بعد غياب الأيام الخمسة الأولى؛ مما سيجعل من الصعب على تركيا استهداف طائرات النظام السوري أو تحليق الطيران التركي في سماء منطقة عدم التصعيد.

في اليوم الثاني للعملية، حاول النظام والميليشيات الشيعية، تحت غطاء جوي روسي كثيف، استعادة مدينة سراقب. ولكن المحاولة تعثرت، بعد أن أوقع مسلحو المعارضة خسائر فادحة في قوات النظام، مدعومين بالطائرات المسيرة التركية. ولكن الملاحظ أن الجانب الروسي عمل على رفع مستوى التصعيد في المواجهة غير المباشرة مع تركيا بالإعلان عن نيته نشر الشرطة العسكرية الروسية في مدينة سراقب. في الوقت نفسه، حققت المعارضة المسلحة تأمين منطقة جبل الزاوية بالكامل، وأخذت بالتقدم إلى بلدة كفرنبل، بداية الطريق إلى معرة النعمان.

في يوم العملية التركية الثاني، أيضًا، ألقى الرئيس التركي خطابًا حمل نبرة تصالحية تجاه روسيا وإيران، ونبرة تهديد حاسمة تجاه النظام وقواته، منذرًا بأن على النظام الانسحاب إلى خطوط اتفاق سوتشي أو مواجهة الموت والدمار. ولكن لغة أردوغان استبطنت أيضًا مراهنته على لقاء القمة المخطط بينه وبين الرئيس الروسي في موسكو، الخميس 5 مارس/آذار.

تعديل الاصطفافات

بالرغم من الاتفاق على لقاء قمة 5 مارس/آذار بين أردوغان وبوتين، وإعلان روسيا بعد ذلك عن لقاء ثلاثي سيجمع رؤساء روسيا وتركيا وإيران، سيُحدَّد موعده لاحقًا، لم يكن خافيًا أن العلاقات التركية-الروسية وصلت مستويات متدنية أعقبت مرحلة من انتهاج سياسة التقارب المطرد مع روسيا. برز اعتقاد في أوساط الطبقة التركية الحاكمة، كما في أوساط العسكريين الأتراك، بأن روسيا لا تبالي بمصالح تركيا الحيوية؛ وأن الموقف في سوريا، إضافة إلى التدخل الروسي في ليبيا إلى جانب حفتر، يكشفان عن أن روسيا تعتبر الخصم الرئيس لصعود تركيا وتوكيد دورها الإقليمي.

وقد أثار التوتر في العلاقات التركية-الروسية ردود فعل إيجابية في الأوساط الغربية، سيما في الولايات المتحدة. أظهر الأميركيون تعاطفًا دافئًا مع الموقف التركي إلى الحد الذي وصف فيه المبعوث الأميركي للأزمة السورية قتلى الجيش التركي في إدلب بالشهداء. كما أجرى أردوغان وترامب عدة اتصالات هاتفية طوال فبراير/شباط لمناقشة مسألة إدلب ومطالب تركيا بالدعم الغربي. وما عدا إعلان الولايات المتحدة أنها ستقدم دعما عسكريا لتركيا في عملياتها العسكرية بإدلب لم تتوافر أدلة على أن تركيا ستتلقى دعمًا عسكريًّا كافيًا يغطي حاجاتها من الولايات المتحدة أو حلفائها الآخرين في الناتو.

لم تطلب أنقرة تفعليل البند الخامس من ميثاق الناتو، لأنها تدرك أن الميثاق لا يلزم دول الحلف بدعم أي من أعضائه ما لم تكن سيادة هذا العضو على أرضه مهددة. ولكن أنقرة كانت تأمل أن تقوم دول الحلف، بما في ذلك الولايات المتحدة، بنشر عدد من بطاريات باتريوت المضادة للطائرات على الحدود التركية-السورية، لتأمين الفضاء التركي من أية محاولات سورية أو روسية لتهديد الأرض التركية. لم تحصل تركيا على وعود قاطعة بنشر بطاريات الباتريوت؛ ويبدو أن مسألة نظام إس 400 الروسي، الذي نشرته تركيا قبل شهور في مواجهة معارضة أميركية صلبة، لم يزل حجر عثرة في وجه نشر منظومة الباتريوت أو الموافقة على بيعها لتركيا.

ما حصلت عليه تركيا من الأميركيين، على الأرجح، كان تعهدًا أميركيًّا بتزويد الجيش التركي بمزيد من المعلومات الضرورية حول ساحة المواجهة في إدلب، إضافة إلى الاستجابة لمتطلبات تركية عسكرية أخرى قد تكون على شكل ذخائر.

إيران هي الطرف الآخر للصراع على سوريا. وطبقًا لبعض المصادر، أرسلت أنقرة في بدايات فبراير/شباط لحزب الله تحذره من الاستمرار في المشاركة في معركة إدلب، وتطلب منه سحب قواته والميليشيات الشيعية الأخرى من ساحة المواجهة. ولأن لا الحزب ولا الميليشيات الأخرى استجابت للتحذير التركي، أصبحت مجموعات هؤلاء أهدافًا للقصف التركي، مثلها مثل قوات النظام السوري، مما أوقع بها خسائر ملموسة خلال الأيام قبل وبعد انطلاق عملية درع الربيع.

حاولت إيران امتصاص الغضب التركي واحتواء العملية التركية باقتراح من الرئيس روحاني بعقد اجتماع ثلاثي، إيراني-تركي-سوري، لمعالجة الوضع في إدلب. وكان الملاحَظ في الاقتراح الإيراني استثناء روسيا، كاشفًا عن حجم الضغوط التي يتعرض لها الإيرانيون في سوريا من الروس، ورغبتهم في إعادة توكيد نفوذهم السوري بالتوافق مع تركيا. لم يجد الاقتراح الإيراني استجابة من أنقرة؛ وربما كان أحد الأسباب خلف إسراع روسيا إلى توفير الدعم الجوي العسكري لقوات النظام ابتداء من اليوم الثاني للعملية التركية. مهما كان الأمر، فالواضح أن موقف إيران هو الأصعب بين كل أطراف التدافع؛ ليس فقط لأن إيران تدرك أن روسيا تريد إضعاف موقفها في سوريا، ولكن أيضًا لأن علاقاتها الوثيقة بنظام الأسد ورغبتها في الحفاظ على نفوذها السوري، تواجه الآن سياسة دفاعية نشطة من قبل أنقرة، التي تحاول طهران الحفاظ على علاقاتها الودية معها.

خلف ذلك التباين في الموقف الدولي، أعلنت تركيا منذ نهاية فبراير/شباط توقفها عن منع اللاجئين السوريين من التوجه نحو أوروبا. أدى الإعلان التركي إلى تدفق ما يزيد عن مئة ألف من اللاجئين السوريين، وبعض من غير السوريين، إلى الحدود مع اليونان وبلغاريا. ويُعتقد بأن عدة آلاف منهم نجح بالفعل في اجتياز الحدود اليونانية والبلغارية، بالرغم من العنف الذي واجه به حرس الحدود اليونانيون جموع اللاجئين.

تقول تركيا إنها اضطرت لهذا الإجراء نظرًا لتقاعس الأوروبيين عن المشاركة في تحمل عبء اللاجئين، الذي لم تعد تركيا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا، قادرة على تحمله منفردة. ولكن الواضح أن تركيا تقصد بخطوتها هذه، إضافة إلى حثِّ أوروبا على المشاركة في تحمل عبء اللاجئين، دفع شركاء الناتو الغربيين إلى اتخاذ موقف أكثر إيجابية، سياسيًّا وعسكريًّا، من توفير الدعم للموقف التركي والضغط على روسيا.

التسوية والتصعيد

 

ما تشير إليه أدلة متضافرة، منذ وجَّه أردوغان إنذاره لدمشق، في 5 فبراير/شباط، بالتراجع إلى ما خلف خطوط سوتشي ونقاط المراقبة التركية، أن أنقرة تتبع سياسة الاستعداد للحرب وعواقبها، والأمل بالتوصل إلى حل سياسي للأزمة، في الوقت نفسه. ويبدو أن القيادة التركية، منذ انطلقت عملية درع الربيع، تعمل على إيقاع خسائر فادحة بالنظام السوري وحلفائه، وتحقيق تقدم ملموس على الأرض ضمن مناطق خفض التصعيد التي سبق أن سيطرت عليها قوات النظام، وتفعيل الدور الأميركي ودور حلف الناتو، استعدادًا لقمة مرتقبة في موسكو بين أردوغان وبوتين في 5 مارس/آذار، وقد حصلت على بعض المكاسب، بإعلان واشنطن تقديم دعم عسكري لتركيا في إدلب، وإعلان المستشارة الألمانية، ميركل، مساندتها إقامة منطقة آمنة في إدلب يطالب بها الرئيس التركي، أردوغان.

يأمل الأتراك أن تحقق قمة موسكو، إذا انعقدت في موعدها، أو في موعد لاحق، وسواء كانت ثنائية بين بوتين وأردوغان أو ثلاثية بانضمام روحاني، معظم أهدافهم، سواء بإجبار النظام على التراجع إلى خطوط سوتشي، أو ما يقاربها، أو بالتوافق على قواعد جديدة لوضع منطقة عدم التصعيد. بالنسبة لتركيا، لا يبدو أن ثمة استعدادًا للتراجع عن منطقة عدم التصعيد، أولًا: لأن خسارة المنطقة يعني تهديد المناطق الأخرى في الشمال السوري التي تقع تحت إدارة تركية مباشرة؛ وثانيًا: لأن إضعاف الوجود التركي في سوريا يعني إضعاف الدور التركي في المسار السياسي لحل الأزمة السورية؛ وثالثًا: لأن تقويض الدور التركي في سوريا سينعكس حتمًا على موقع ودور تركيا الإقليميين.

للتوصل إلى اتفاق ما في موسكو، لا يُستبعد أن يقدم الأتراك بعضًا من التنازلات حول السيطرة على كامل منطقة عدم التصعيد، وبعضًا من التعهدات بإخراج المجموعات التي تعتبرها تركيا إرهابية، مثل هيئة تحرير الشام، من ساحة الصراع، سواء بدعوة الهيئة إلى حل نفسها، أو حلها بالقوة العسكرية، وبتأمين الحركة على طريقي إم 4 وإم 5 السريعين. وكمؤشر على أهمية السيطرة على هذه المحاور في المفاوضات القادمة، حرص النظام وحليفاه، الإيراني والروسي، على إعادة السيطرة على مدينة سراقب مجددًا كما أفادت بذلك تقارير إخبارية، وإن كانت المعارضة السورية تنفيها، وتؤكد أن المعارك لا تزال جارية. ما يعزز فرص التوصل إلى اتفاق في موسكو أن ثمة تقديرًا في أوساط القيادة الروسية بضرورة ألا تخسر موسكو علاقاتها الجيدة مع أنقرة، ودفع الأخيرة بالكامل إلى أحضان الغرب من جديد، لمجرد تحقيق مكاسب تكتيكية في سوريا التي أصبحت بالفعل منطقة نفوذ روسي لا يُنازَع إلا بصورة جزئية.

بيد أن ثمة احتمالًا بفشل قمة موسكو في التوصل لاتفاق، سواء لعدم استعداد روسيا للاعتراف بما حققته القوة العسكرية التركية حتى الآن، أو لأن روسيا جعلت من سيطرتها المطلقة في سوريا هدفًا استراتيجيًّا مقدمًا على العلاقات الإيجابية المطردة مع تركيا. في هذه الحالة، فمن المستبعد أن تقبل تركيا بالتراجع العسكري المجاني في إدلب، حتى إنْ أصبحت ساحة المعركة أكثر تعقيدًا وازدادت مخاطر المواجهة العسكرية التركية-الروسية، التي يحاول كلا الطرفين تجنبها طوال الشهرين الماضيين.   

 


السعودية في زمن التحولات.. أمراء وعرش واحد                صحيفة رأي اليوم

بقلم / الدكتور حسن مرهج

تكهنات كثيرة رافقت تسريبات الصحافة الأمريكية، لجهة اعتقال شقيق الملك السعودي وولي عهده السابق، بالتزامن مع تسريبات مصدرها الديوان الملكي السعودي، حول أنباء عن وجود مؤامرة جرى التحضير لها للانقلاب على وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، وأن كبار أفراد العائلة المالكة حصلوا على أدلة على محاولة انقلاب، ودعمت هذه المصادر الواقعة بالحديث عن اتساع دائرة الاعتقالات التي طالت عملياً بعض أهم الشخصيات في العائلة المالكة نفسها، وعشرات المسؤولين الحكوميين والعسكريين، وعلى رأس قائمة الاعتقالات الأمير أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان، ومحمد بن نايف ولي العهد السابق، وشقيقه نواف بن نايف، كما استدعت وزير الداخلية الحالي عبد العزيز بن سعود بن نايف، ووالده الأمير سعود بن نايف، أمير المنطقة الشرقية والابن الأكبر للأمير نايف بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي الأسبق، لاستجوابهما من قبل الديوان الملكي فيما يتعلق بعملية الانقلاب المزعومة.

التعمق في حيثيات ما سبق، يأخذنا مباشرة إلى جملة من التناقضات في السياسة السعودية داخلياً وخارجياً، إضافة إلى رغبة محمد بن سلمان الجامحة، للاستحواذ على عرش أبيه، ضارباً عُرض الحائط كل أمراء آل سعود، ودون التشاور معهم أو التباحث لجهة تسلمه مقاليد الحكم، ما يعني صراحة أن بن سلمان يدق مسماراً جديداً في نعش الأسرة السعودية الحاكمة، إذ لا يُمكننا أن ننكر بأن شقيق الملك السعودي أحمد بن عبد العزيز آل سعود، يحظى بالكثير من الدعم من قبل كافة الأمراء، كما أن علاقاته الخارجية لها تأثير ضارب في هندسة سياسات المملكة، الأمر الذي يشي ببداية الدخول في نفق مظلم قوامه تحالفات داخل الأسرة الحاكمة، وتشطي في الخيارات والسياسات الداخلية.

السياسة الجديدة التي اعتمدها ولي لعهد محمد بن سلمان يُمكن وصفها بسياسية ” الفأس الضاربة”، فقد وقعت هذه الفأس على رأس أحمد بن عبد العزيز، لأنه يعتبر الوريث الطبيعي لخط التسلسل المتبع الذي سارت عليه العائلة السعودية بعد وفاة المؤسس عبد العزيز بن سعود، وكذلك على محمد بن نايف، ولي العهد السابق وشقيقه نواف، لكن المقصود، في الحقيقة، هو أي أمير سعودي آخر يتمتع باحترام داخل الأسرة المالكة، أو لديه سيرة سياسية مرموقة وتقدير لدى المنظومة الدولية (وخصوصا الأمريكيين)، وقد نمت هذه المصداقية بالتناظر مع درجة الانحدار السياسي الذي تعرّضت له سمعة محمد بن سلمان، والسعودية عموما، بسبب جُملة من الأخطاء اقترفها بن سلمان، ولا تبدأ بحرب اليمن العبثية، ولا تنتهي بتقطيع الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول.

التوصيف الحقيقي لما حصل في السعودية مؤخراً، هو انقلاب كامل الأوصاف على الأسرة السعودية الحاكمة كبيرها وصغيرها، خاصة أنه في وقت سابق قدم محمد بن سلمان بضمانات لـ واشنطن بعدم تكرار أخطائه المُحرجة إقليمياً ودولياً، على خليفة اعتقال الأمراء في واقعة الريتز، ما يعني أيضاً هو انقلاب على الضمانات الأمريكية، وعلى الرأسمال السياسي لكامل العائلة المالكة، وليس على منافسيه المحتملين فحسب، فـ السيرة الذاتية لولي العهد السعودي امتلأت بأخطاء سياسية كارثية، محلية وإقليمية وعالمية، وأعطت بشكل غير مباشر وزناً ومصداقية كبيرين للأمراء الكبار الآخرين، ما يُترجم ردة فعل الأمير الشاب على أركان عائلته.

حقيقة الأمر أنه في داخل الأسرة الحاكمة في السعودية، بات هناك تيارين، أحدهما موالٍ لسياسات بن سلمان، والأخر مناهض له خاصة في استمرار حرب اليمن، والتي لم تُحقق أيً من أهدافها، بل على العكس فقد زادت هذه الحرب طين آل سعود بلة، حتى أن أموال المملكة قد تم تبذيرها في جوانب كالحرب واسترضاء الأمريكيين، وهذا ما لا يناسب غالبية أمراء آل سعود وعلى رأسهم شقيق الملك أحمد بن عبد العزيز آل سعود، فضلاً عن السياسات الداخلية التي ظاهرها انفتاح، وباطنها تمزيق لأسس المجتمع السعودي المحافظ، يُضاف إلى ذلك، أن جُلّ الشيوخ السعوديين باتوا في أقبية وزنازين محمد بن سلمان، وكلنا يعلم أن هؤلاء الشيوخ لهم حظوة عند أمراء آل سعود بمجملهم، لتكون النتيجة لتصرفات الشاب ولي العهد، قد أخذت السعودية إلى مسار مبهم، ولا نهاية له.

في الواقع، نحن نريد السعودية مُستقرة ذات بوصلة محددة تؤطرها المصالح العربية والإسلامية، ولا نريد سعودية مشرذمة تحكمها الخلافات السياسة الداخلية أو الحروب الخارجية، أو التبعية لواشنطن التي تُريد حقاً أن تكون شرارة الحرب مع ايران انطلاقاً من الأراضي السعودية، وما يهمنا كعرب بقاء السعودية قوية بسياساتها وأهدافها لإقليمية والدولية، إذ لا يُمكننا أن ننكر بأن الثقل السعودي النابع من رمزية موقعها، يهمنا كعرب بالدرجة الأولى.

في المحصلة، بصرف النظر عما سبق من وقائع ومعطيات، إلا أن الواضح أن محمد بن سلمان يُخطط لما هو أبعد من انقلاب داخلي، فالهروب إلى الأمام وتجاهل الإشكاليات التي ولدتها حرب اليمن والانكسار السعودي هناك، والسياسات الداخلية المُعتمدة على التضيق ضد حرية الرأي، لن تكون سياسة الهروب إلى الأمام إلا هاوية ستطيح بولي العهد، وتأخذ السعودية إلى نهايات سوداء.

كاتب فلسطيني

 

 

 

مستقبل الشرق الأوسط في ظل الأوبئة الدائمة                     موقع عربي بوست

بقلم / مايكل نايتس

مع انتشار فيروس كورونا في العالم، شخّصَتْ أنظار الدول نحو الصين التي نشأ فيها الفيروس. ولكن ما أثار اهتمامي بالفعل، كوني أتابع شؤون الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين، هو ظهور الفيروس في إيران، تلك الدولة التي تعتبر شريكاً تجارياً للصين وتشابهها في نظام حكمها الاستبدادي والمخادع. وفيما ينصبّ اهتمام الأسواق المالية والزعماء السياسيين على وصول الفيروس إلى أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن ما يحدث في إيران - وهي القطب الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوراسيا وشبه الجزيرة العربية ودول المشرق - يجب أن يكون بنفس القدر من القلق.

فالتحديات التي تعيق مكافحة انتشار الفيروس في دولة لا تشتهر بشفافيتها تجلّت في الرابع العشرين من شباط/فبراير حين ظهرت على نائب وزير الصحة الإيراني أعراض العدوى في مؤتمره الصحفي، ولم تكن قد مضت سوى ساعات قليلة على تصريحٍ الرئيس الإيراني حسن روحاني والذي وصف فيه الوباء بـ"مؤامرة يحيكها أعداء" إيران. وحتى بعد أن أقرّ لاحقاً بتأكيد إصابته بالفيروس، قلّل وزير الصحة من مدى خطورة الوضع وأصر على أن الخبر المتداول بكثرة عن وفاة 50 شخصاً في مدينة قم قد تم تضخيمه وأنه ليست هناك حاجة إلى الحجر الصحي.

والواقع أن الاستخفاف بوقع الأوبئة العالمية ليس ظاهرة محصورة بمسؤولي الحكومة الإيرانية، بل إنها واسعة الانتشار بين الخبراء في شؤون الشرق الأوسط الذين يميلون إلى التركيز على مخاطر الحرب والإرهاب بشكلٍ أكبر عند وضع تنبؤاتهم. ولكن انتشار فيروس كورونا وصولاً إلى مهد أقدم وأعظم حضارات العالم هو تطور جوهري يخلّف تبعات طويلة الأمد على المنطقة والعالم ككل. إذ أن الأوبئة العالمية ستصبح قريباً أمراً عادياً وفي الوقت نفسه محرّكاً أساسياً لمستقبل المجتمع.

ومن الأفكار المنبثقة بين "الناظرين إلى المستقبل" ـ وأوليتُ اهتماماً للروائيين وكذلك الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والتكنولوجيين ـ فكرةٌ تقول إن الأوبئة ستدحر مظاهر العولمة أو حتى توقفها بشكل حاد. وفي رواية "ذي واينداب غيرل" (The Windup Girl) للكاتب باولو باتشيغالوبي التي تجري أحداثها في تايلاند في المستقبل، تم تصوير عولمة اليوم على أنها حقبة من الماضي يتم تذكرها باسم "التوسع"، في حين أن التجارة العالمية انهارت بوجه الأوبئة العالمية والحروب على الموارد وتحولت إلى واقع جديد يُعرف بـ"الانكماش".

وقد بدأت هذه المفاهيم في الشرق الأوسط، ولهذا السبب وُضعت الأوبئة بشكل متزايد في محور تنبؤاتي للمنطقة. فبالإضافة إلى الارتباط الوثيق للمنطقة بالعديد من الأماكن كونها حرفياً مركز الملاحة الجوية العالمية والطاقة والشحن العالمي، يزداد الشرق الأوسط ضعفاً بسبب الحروب والفساد والخدمات الصحية المتردية والأنظمة الحاكمة المخادعة التي قد تحاول التستّر على درجة انتشار الأوبئة العالمية في المستقبل كما تحاول الحكومة الإيرانية فعله اليوم.

 

وتعتبر مخيمات النازحين (مثل مخيم الزعتري للاجئين في الأردن التي يبلغ عدد سكانه 80،000 شخص) أكثر الأماكن عرضةً لهذا الخطر. فاللاجئون والمهاجرون الآخرون الذين يتدفقون سرّاً إلى أوروبا يشكلون عوامل خطر إضافية في انتشار الأوبئة عن طريق الشرق الأوسط.

ومن خلال الحروب الأهلية وأزمات اللاجئين في الوقت الحاضر، يمكننا استخلاص بعض المعلومات عن دور الأوبئة العالمية في رسم مستقبل العالم. فقد رأيتُ في سياق عملي كيف تتضافر العوامل المتعلقة بالإرهاب واللاجئين والموارد المحدودة لوضع تماسك المجتمعات قيد الاختبار.

وأثارت ويلات تنظيم «القاعدة»، ثم تنظيم «الدولة الإسلامية» لاحقاً، ردود فعل متباينة لدى سكان الدول الضعيفة كالعراق وسوريا واليمن. وفي بعض الأحيان، حاولت المناطق الأكثر استقراراً عزل نفسها أو تقييد حركة المواطنين على اختلاف طوائفهم أو حتى اكتناز مواردها الوافرة (مثل الكهرباء) ومنعها عن الأجزاء المضطربة من الدول التي تشهد حروباً أهلية.

وفي أكثر الأحيان صُدمتُ من مدى الانفتاح والترحيب اللذين أظهرهما "الميسورون" تجاه فقراء المجتمعات "الأقل حظاً" و "المصابة" بداء الحرب. غير أن الروابط الاجتماعية المُحكمة ونظرة الرحمة والرأفة بشكل عام والمجتمعات التي تتمتع بسيطرة خفيفة ستكون للأسف مفتوحة على مصراعيها أمام الأوبئة المستقبلية كفيروس كورونا.

وإحدى الأقاويل الشائعة التي تُردَّد عن العولمة هي أننا نعيش في عالم يزداد صغراً طوال الوقت، مما يعني أن السفر وطلب السلع أصبح أكثر سهولة وسرعة ورخصاً. ولكن ماذا لو كان المستقبل يشبه "الانكماش" الذي تحدث عنه باتشيغالوبي؟

عند التفكير بمنطقة الشرق الأوسط التي تشكل محور تركيزي، أستطيع تصوّر بعض الأمور التي قد لا تتأثر. فسوف تستمر السلع في التدفق طالما كانت هناك حاجة إلى الهيدروكربونات، لأنه من الممكن تشغيل قطاع النفط والغاز مع عدد أقل من الأشخاص المحميين بشكل جيد، ولا تشكل صادرات الطاقة أي خطر للإصابة بالعدوى تقريباً.

وفي المقابل، سوف تتغير حركة الناس بالكامل، مع تأثيرات اجتماعية واقتصادية عميقة على بعض أجزاء المنطقة. تخيّلوا تقلّص حركة الحجاج الوافدين إلى مكة المكرمة أو خروج الاختصاصيين المغتربين من دبي أو نهاية ظاهرة استيراد العمال الآسيويين إلى الخليج.

إن العديد من المجتمعات مبنيّة على السفر، من بينها العديد من الدول الغربية. (عندما حوصرتُ في المملكة المتحدة بسبب غيوم الرماد الناجمة عن ثوران بركان Eyjafjallajökull في أيسلندا عام 2010، كان لديّ الوقت والميل لكي أتصوَّر كيف يمكن أن تتطور المملكة المتحدة تحت منطقة حظر طيران دائمة.)

في إطار سيناريو الانكماش، حين يرغب الناس في العمل في بلد ما، قد يضطرون إلى الالتزام بالبقاء فيه لفترة طويلة جداً، إن لم يكن إلى الأبد. وفي فيلم "كود 46" الذي تجري أحداثه في المستقبل القريب، تُعتبر كل التنقلات عبر الحدود عملاً بيروقراطياً معقداً ينطوي على خطر الاستبعاد الدائم. وقد تضطر الدول - بما فيها دول الخليج الملكية الحصرية - إلى إعادة النظر في قوانين الجنسية لتشجيع الهجرة الهادفة.

 

ومع ذلك، فإن إحدى الحسنات التي يجنيها سكان الشرق الأوسط من هذا السيناريو قد تتمثل في حصر اقتصادهم بالساحة المحلية، وذلك بعد المرور بفترة تكيّف صعبة. ولعل هذا التطور سيحدث في كافة الأحوال بما أن تبلور تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد والتصنيع الإضافي وتقنية النانو ستخفف الحاجة إلى شحن الأصناف المختلفة من مسافات بعيدة، فيأتي الانكماش الناتج عن الأوبئة ليسرّع وتيرة هذا المنحى. وبذلك ستجد الدول التي تخطتها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، ومن بينها معظم دول الشرق الأوسط، حافزاً جديداً يدفعها بعيداً عن الاعتماد على الواردات ونحو خلق فرص العمل.

وقد لا يتأثر انتشار الأفكار والثقافة في العالم تأثراً مباشراً بالانكماش الناجم عن الأوبئة، ولكن مع ذلك سيحدث ارتفاعٌ مفاجئ في مذاهب القومية والوطنية والحمائية التي بدأت بالفعل في الظهور رداً على التأثيرات الاقتصادية والتنوع الاجتماعي للعولمة. وقد يكون العديد من الشرق أوسطيين سعداء جداً برؤية التخفيف من فرض ما وصفه مساعد هنري كيسنجر، ديفيد يونغ "خطر الثقافة المهيمنة" - وهو الخطر بأن تصبح كل الأماكن متشابهة بفعل العولمة، فتُمحى الاختلافات التي تبعث على الفرح والمفاجأة.

وفي مستقبل حافلٍ بالأوبئة العالمية، قد تصبح الدول القومية أكثر قوة لأنها تحدد بوضوح مَن الذي يمكن أن يدخلها ومَن يجب أن يخرج منها بناءً على جنسيته، ولأن حدودها مضبوطة جيداً. ولكن الدول لن تزداد شرعية إلا إذا أثبتت فعاليتها عند خضوعها للاختبار، إذا كان ذلك من الأوبئة أو من التهديدات الأخرى.

أما الدول الغير كفوءة التي تمتد حدودها البرية على مسافات طويلة وتتردى فيها أنظمة الصحة العامة - مثل روسيا وإيران وربما الصين - فقد تكون الأكثر عرضة للخطر في النظام البيئي الجديد من الأوبئة المتكررة. وفي هذه الدول الضعيفة، قد يكون الأثر الطبيعي المترتب عن الانكماش الناجم عن الأوبئة هو انقسامها إلى منظومات ثانوية أصغر حجماً وأكثر تماسكاً وربما أيضاً أكثر استبداداً.

وحيث يزداد عالمنا اليوم صغراً، ثمة أسبابٌ وجيهة تدعو إلى التفكير في كيفية تأقلملنا (جماعياً وفردياً) مع العيش مجدداً في عالم أكبر تبعد فيه الأماكن الأخرى، وتصبح فيه الأطراف الفاعلة المحلية مجدداً سيدة مصيرها دون منازع. وبينما تصبح الأوبئة العالمية سمة سائدة في النظام العالمي، فقد يخاطر "التوسع" قصير العمر بالوصول إلى نهايته. كما أن بعض الأصوات المطالبة بالانعزالية في أمريكا قد تجد في الأوبئة سبباً إضافياً لاعتبار العالم مكاناً خطيراً يجب تجنبه بأي ثمن. وفي المقابل، إذا ظلّت الولايات المتحدة تؤيد وجود النظام العالمي والأسواق العالمية، فستحتاج إلى قيادة عملية دفاع جماعية ضد خطر الوباء، أي الزلزال العالمي القادم الذي قد لا يكون فيروس كورونا سوى هزة مبكرة وخفيفة من هزّاته.

 

 

 

 

 

 

الشأن الدولي

 


الانتخابات الأمريكية وفرص دونالد ترامب           المركز العربي للبحوث والدراسات

بقلم / ريم عبد المجيد

بدأت حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التمهيدية يوم الاثنين 3 فبراير من ولاية أيوا، وبدأ معها السباق الانتخابي بين دونالد ترامب الرئيس الحالي والذي رشح نفسه لإعادة انتخابه، وبين معارضيه من اليسار، وسيستمر هذا السباق التمهيدي حتى نهاية أغسطس 2020حين يعلن كلا الحزبين عن مرشحه النهائي.

في هذا التقرير سيتم عرض أبرز منافسي ترامب على المنصب الرئاسي، وكذلك تقييم فرص ترامب بعد الانتصارات المتتالية التي قام بها في مواجهة الديمقراطيين والتي كان أبرزها نجاحه في إلغاء عملية عزله التي بذل فيها الديمقراطيون حثيث الجهود ولكنها انتهت بالفشل.

المرشحون الجمهوريون

أعلن الرئيس الحالي دونالد ترامب ترشحه رسميًا للولاية الثانية عن حزب الجمهوريين في 18 يونيو 2019، لكنه ليس المرشح الوحيد للحزب، حيث أعلن وليام ويلد، حاكم ماساسوشيتس السابق (1991-1997)  في 15 أبريل 2019، عن تحديه للرئيس ترامب وخوض الانتخابات ضده للترشيح الجمهوري. وتعد مهمة ويلد أشبه بالمستحيلة وهو ما أكده مارك سانفورد الحاكم السابق لولاية جنوب كارولينا، وجو والش الممثل السابق لإلينوي. جدير بالذكر أن ويلد من أبرز المعارضين لترامب حيث عارض بشدة انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، كما يدعم التخفيضات الضريبية. في القضايا الاجتماعية يدعم زواج المثليين وحقوق الإجهاض وإضفاء الشرعية على الماريجونا، كما أنه يعطي أولوية لقضايا عدم المساواة في الدخل، والعجر، وتغير المناخ فأعلن أنه سيضم الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ حال فوزه في الانتخابات. ومن برنامجه تظهر بشكل جلي محاولة ويلد المزج المحافظة في القضايا الاقتصادية مع الليبرالية الاجتماعية(1).

من هم منافسي ترامب الديمقراطيين؟

أعلن أحد عشر مرشحًا ديمقراطيًا عن ترشحهم للمنصب الرئاسي وهم كالتالي:

1. جو بيدن: وهو نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وسياسي مخضرم يبلغ من العمر 76 عامًا. وأعلن عبر فيديو نشره على حسابه على توتير أنه سيترشح لرئاسة الولايات المتحدة معللًا ذلك بأنه يهدف إلى إنقاذ القيم الأساسية للأمة الأمريكية ومكانتها العالمية، وديمقراطيتها، وكل ما جعل أمريكا في خطر(2). وهي تعد المحاولة الثالثة، حيث دخل في سباق الانتخابات التمهيدية في عامي 1988 و2008. وفي عام 2016 فكر في ترشيح نفسه للرئاسة ولكن سرعان ما عزف عن ذلك لاقتناعه بأن هيلاري كلينتون كان أكثر عرضة للفوز.

2. بيرني ساندرز: بعد التنافس بين الديمقراطيين لترشيح أحد منهم في عام 2016 وبعدما تم اختيار هيلاري كلينتون أعلن ساندرز في 19 فبراير أنه سيكون مرشحًا مرة أخرى. ويُعتقد أنه أحد أفضل المرشحين، وأن بإمكانه التغلب على دونالد ترامب إذا كان هو المرشح الديمقراطي. جدير بالذكر أن السيناتور سادنرز البالغ من العمر 77 عامًا يدافع عن الديمقراطية الاشتراكية، فينادي برعاية صحية شاملة، جامعة عامة مجانية، حد أدنى للأجور. وقد فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيو هامبشير في 14 فبراير الجاري(3).

 

3. إليزابيث وارين: وهي أول امرأة تعلن مشاركتها في الانتخابات التمهيدية لتصبح مرشحة الديمقراطيين وذلك في 31 ديسمبر 2018. وهي عضو في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وأستاذة في القانون. جدير بالذكر أنها تعد واحدة من أكثر الخصوم شهرة لدونالد ترامب، وبرنامجها قريب من برنامج بيرني ساندرز –يسار الطيف السياسي الأمريكي- وتهدف إلى السيطرة على البنوك، إقامة نظام صحي عالمي، حد أدنى للأجور، والدفاع عن قضية المناخ(4).

4. بيت بوتيج: وهو من أصغر المشرحين المعلنين حيث يبلغ من العمر 37 عامًا، كما أنه أول مرشح مثلي الجنس. وأعلن ترشحه في 23 يناير 2019، وكان جنديًا سابقًا في أفغانستان ثم عمل بعد ذلك في ملف مكافحة الإرهاب(5).

5. أندرو يانج: أعلن رجل الأعمال يانج، ترشحه في نهاية شهر يناير الماضي، ويبلغ من العمر 44 عامًا. وبرنامجه يتشابه كثيرًا مع برنامج المشرح الاشتراكي بينوا هامون في عام 2017 حيث أعلن أنه سيوفر دخلًا قدره 1000 دولار شهريًا لأي أمريكي يزيد عمره عن 18 عامًا، وتصديه لأزمة البطالة التي تتفاقم بشكل متسارع بسبب التطورات التكنولوجية التي أدت إلى اختفاء كثير من الوظائف(6). جدير بالذكر أنه انسحب  بعد فشله في التقدم للصفوف الأمامية لمرشحى الحزب في نيوهامشاير، بما جعل عدد المرشحين الديمقراطيين ينخفض إلى عشرة مرشحين.

6. إيمي كلوبوشار: وهي عضو مجلس الشيوخ عن ولاية مينيسوتا وتبلغ من العمر 55 عامًا. وقد أعلنت ترشحها في 10 فبراير 2019. وهي من أبرز الناشطين في قضية تغير المناخ والهجرة، وتسعى لتطبيق نظام تأمين صحي بجانب حلها للقضايا المناخ(7).

7. تولسي جابارد: وهي أصغر امرأة تعلن رسميًا عن عزمها الترشح في الانتخابات الرئاسية وذلك في 12 يناير 2019، حيث تبلغ من العمر 37 عامًا. جدير بالذكر أنها كانت أول عضو برلماني هندوسي يدخل مجلس النواب بصفتها ممثلة لولاية هاواي. وأعلنت أن إصلاح النظام الصحي والنظام القضائي بجانب مكافحة تغير المناخ من الأهداف الأساسية لبرنامجها الانتخابي(8).

8. جون ديلاني: أول من أعلن ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية –في يوليو 2017-، ويبلغ من العمر 55 عامًا. يقدم نفسه ككاثوليكي يسعى إلى تطبيق العدالة الاجتماعية من خلال الدعوة لزيادة الضرائب على الشركات من أجل تمويل مشروعات البنية التحتية، والرعاية الصحية الشاملة، كما يهدف لمكافحة الاحتباس الحراري والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون(9).

9. توم ستاير: أعلن الملياردير ستاير، البالغ من العمر 62 عامًا، ترشحه في 9 يوليو 2019. وكان من بين داعمين إقالة دونالد ترامب من منصبه عبر تمويله لحملة الإقالة وكذلك تمويله إعلانات للتعبئة ضده. أعلن أنه يهدف إلى الحد من الاحتباس الحراري، تعزيز الطاقة المتجددة، وضع حد لسيطرة الشركات الكبرى على السياسات المحلية(10).

10. ديفال باتريك: هو من أواخر المنضمين إلى السباق على الانتخابات الرئاسية حيث أعلن ترشحه في نوفمبر 2019. وأعلن أن حملته ستكون مماثلة لحملة باراك أوباما في عام 2008. جدير بالذكر أنه يبلغ من العمر 63 عامًا(11).

11. مايكل بلومبرج: أعلن الجهموري السابق وحاكم نيويورك السابق، في نهاية نوفمبر 2019 اشتراكه في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين كوسطي. وحملته الانتخابية تتشابه من حملة دونالد ترامب في عام 2016، حيث أعلن تمويل حملته بثروته الشخصية، وأنه لن يتقاضى راتبًا إذا فاز. رغم هذا، فإن مهمته صعبة المتمثلة في إقناع الناخبين الديمقراطيين خاصة أنه تأخر في إعلان الترشح(12).

 

ويجدر الإشارة إلى أن كبر عدد المشرحين الديمقراطيين قد يؤدي إلى نتائج عكسية لأن كل منهم سيحتاج إقناع الناخبين في كل الولايات بمدى سوء إدارة ترامب وهو ما قد ينتج عنه روايات مختلفة تؤدي إما إلى عدم اقتناع الناخبين بحججهم أو تفتت الكتلة التصويتية على هذا العدد الكبير من المرشحين، على عكس موقف ترامب، فلن يتمكن وليام ويلد من منافسته بما يجعله مرشح الجمهوريين الوحيد. وما يؤكد صعوبة مهمة الديمقراطيين فشلهم في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ولاية أيوا والذي ينال من مصداقية الحزب أمام الناخبين في باقي الولايات ويضيف إلى فرص ترامب في الفوز. يضاف لذلك أن أغلب مرشحي الحزب الديمقراطي كبار في السن، بما يجعل الحزب غير متناسقًا إلى حد كبير مع الشباب بما قد يفقدهم تأييد هذه الفئة العمرية.

هل سينجح ترامب للمرة الثانية في الانتخابات؟

 

بالنظر إلى التاريخ الأمريكي نجد أنه منذ 1945 جميع الرؤساء الذين لم يتم إعادة انتخابهم للمرة الثانية –فورد وكارتر وجورج بوش الأب- كانوا لم يحصلوا على تأييد حزبهم ومن ثم تنظيم الانتخابات التمهيدية، على عكس ترامب الذي يمتلك تأييد الجمهوريين، لكنه لا يتمتع بشعبية من الناحية الهيكلية، فجُل استطلاعات الرأي لم يحصد فيها على أكثر من 44% منذ بداية ولايته. رغم هذا قام ترامب بعدة انتصارات ستمكنه من التغلب على هذه المعضلة ومنها:

1. قضية إقالته: هذه القضية جسدت المعركة الحقيقية بين الديمقراطيين في مجلس النواب والرئيس ترامب لعزله من منصبه عندما أصدر مجلس النواب الأمريكي مقالتين بتوجيه الاتهام ضده. وصوت مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون لتوجيه الاتهام له بسبب إساءة استخدام السلطة في منصبه وعرقلة الكونغرس. تتعلق هذه الاتهامات بترامب الذي يزعم أنه يطلب مساعدة من أوكرانيا لتعزيز فرص إعادة انتخابه في عام 2020. وانتهت هذه القضية بنجاح ترامب في التغلب عليها بفضل دعم الجمهوريين في مجلس الشيوخ له، وهو ما كان له آثار إيجابية على دعم المواطنين له. فوفقًا لآخر استطلاع للرأي أجرته جالوب حصل على تأييد بنسبة 49% في استطلاع أجري في اليوم التالي على براءته وهو مستوى لم يصل إليه منذ توليه منصبه، مما يشير إلى نجاحه في تعبئة الناخبين لصفه. كما أن هذه القضية سيستغلها لإظهار مدى فشل الديمقراطيين في القيام بالمهام التي تم انتخابهم من أجلها بما يزعزع ثقة الناخبين الديمقراطيين في مرشحي الحزب الديمقراطي.

2. نجاحه في حفظ الاستقرار رغم ما شهدته الولايات المتحدة من أحداث كبرى مثل الانسحاب من اتفاقية باريس، التوترات مع إيران والانسحاب من الملف النووي، وغيرها. كما أنه حافظ على وعوده المتمثلة في وضع أمريكا في المقدمة –أمريكا أولًا- وهو ما ظهر بشكل جلي في حربه التجارية مع الصين التي اتهم فيها الأخيرة بسرقة الملكية الفكرية والقيام بممارسات تجارية غير عادلة تعوق الشركات الأمريكية.

 3. تحقيق أعلى معدلات نمو اقتصادي: رغم هذه الأحداث فقد حقق نموًا اقتصاديًا بنسبة 3.1%  بعد أن كان 2% عام 2016 قبل توليه منصبه، وبعد عام تضاعف إلى 3.5%، ووصل معدل البطالة إلى أدنى مستوياته منذ خمسين عامًا، ففي عام 2010 كان معدل البطالة ما يقرب من 10% وفي أغسطس الماضي انخفض إلى 3.7%. كما انخفضت معدلات الأمريكيين من أصل أفريقي ، والأمريكيين اللاتينيين والآسيويين العاطلين عن العمل، إلى أدنى مستوى عند 5.5%.

 

3. حفاظه على قاعدة مؤيديه طيلة فترته، فمنذ توليه منصبه وتتذبذب نسبة تأييده ما بين 40 و44% في استطلاعات الرأي وارتفعت في الآونة الأخيرة إلى 46%، وظل محتفظًا بهذه النسبة رغم قراراته ورغم الأحداث الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة.

4. ملف الإرهاب: في خضم معركة البقاء في السلطة لولاية ثانية حقق ترامب انتصارات متتالية في هذا الملف، بدءً بعملية اغتيال البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي في أكتوبر 2019(13)، وانتهاءً باغتيال زعيم القاعدة في الجزيرة العربية قاسم الريمي، والتي تعد ضربة قوية للتنظيم(14). ومن المرجح أن تقوي موقف ترامب لدى الناخب الأمريكي الذي ينظر للإرهاب كتهديد وجودي له(15).

بالإضافة إلى انتصاراته السابقة فإن انقسام منافسيه سيعزز من موقفه الانتخابي، فوجود 11 مرشحًا ديمقراطيًا يعطي انطباعًا عن الفوضى والتشتت داخل الحزب، وأن غالبية هؤلاء ليسوا للترشح لمنصب الرئيس ولكن لبدء حياتهم المهنية وحصد مكاسب من هذه العملية مثل الحصول على وعد بتولي منصب في الحكومة إذا انسحب من الحملة وهو ما حدث بالفعل فكان عدد المرشحين في البداية 24 مرشحًا ولكنه أصبح 11 مرشحًا. يُضاف لذلك أن عدد قليل من أولئك المرشحين لديهم الإمكانيات المادية اللازمة للاستمرار في حملاتهم الانتخابية على عكس ترامب الذي لديه تلك الإمكانيات حيث يمول حملته من أمواله الخاصة وليس في حاجة للبحث عن ممولين وهو ما قد يكون سببًا آخر لتقص عدد المرشحين الديمقراطيين لأقل من العدد الحالي. يُضاف لذلك قيام عدة ولايات مثل جنوب كارولينا وألاسكا وأريزونا ونيفادا بإلغاء انتخاباتهم التمهيدية للحزب الجمهوري لدعم إعادة انتخاب ترامب مرة أخرى وهو ما يعكس تماسك الحزب الجمهوري مقابل ضعف منافسه وانقسامه.

ورغم هذه الشواهد التي تدعم موقف ترامب يشكك البعض في تمكنه من الفوز لولاية ثانية لعدة أسباب منها أن ترامب لم يتمكن من زيادة نسبة مؤيديه بما يتجاوز ال 50%، بل بقى تصنيفه إلى حد ما ثابتًا حتى بعد الكشف عن تقرير مولر الذي أكد أنه غير متواطئ مع روسيا. يضاف لذلك أن الجمهوريين فقدوا ولايات العمال الشمالية (ويسكونسن، وفرجينيا) ويقترب من فقدان فلوريدا -ربما هذا دفعه لإلقاء خطابه هناك حتي يستعيد تأييدها له-. بجانب أن سياساته تسببت في وصول الولايات المتحدة إلى حافة الهاوية، على سبيل المثال إطلاق ضربة صاروخية أسفرت عن مقتل قاسم سليماني وبالتبعية تصاعد التوتر مع إيران، خاصة بعد أن أسقطت طائرة عسكرية أمريكية بدون طيار واستولت على ناقلات نفط تابعة لشركات أمريكية، وأطلقت صواريخ باليستية على القوات الأمريكية في العراق(16).

 

نشرة دورية تصدر عن معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية تتضمن أبرز ما أنتجه المفكرون ومراكز الأبحاث الدولية

 

Top