• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

العدد 1 /2020م

Blog single photo


2020


نشرة دورية سياسية تصدر عن معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية تتضمن أبرز ما أنتجه المفكرون ومراكز الأبحاث الدولية

جدل الانسحاب الأميركي من العراق بين الشعارات والاحتياجات

العقبات لا تزال تواجه حقل غاز "ليفياثان" الإسرائيلي

أ.رامي  الشقرة

المنسق واختراق المنظومة المجتمعية للفلسطينيين

صفقة ترامب ومشاريع المنطقة

التسهيلات الإسرائيلية لقطاع غزة بين الواقع و التطبيق

قلق إسرائيلي من زيادة توتر الحدود مع غزة

الـــعدد ( 1 )

الــــمـــــحتـــــــــويــــــات

 

v      الشأن الفلسطيني



 قلق إسرائيلي من زيادة توتر الحدود مع غزة

د. عدنان أبو عامر

          لم يعد خافيًا أن وتيرة التصعيد الميدانية آخذة في التزايد على حدود قطاع غزة، حيث إنّ التقديرات السائدة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن الفصائل الفلسطينية بصدد العودة لأيام المظاهرات الجماهيرية على حدود قطاع غزة.

وفي ظل التوتر السائد عقب إعلان صفقة القرن، والإعاقات الإسرائيلية المتعمدة في تنفيذ التفاهمات الإنسانية، فمن الواضح أن الحدود الشرقية للقطاع على موعد مع توتر جديد، من خلال احتمالية العودة المظاهرات الشعبية الجماهيرية التي شهدها العامان الماضيان بمشاركة عشرات الآلاف من فلسطينيي القطاع في عدة مواقع مختلفة.

يعتقد الفلسطينيون، وفق التقدير الإسرائيلي، أن هذه المسيرات تشكل لهم نقطة مهمة من أجل لفت أنظار العالم، وإبقاء موضوع غزة على الأجندة الدولية، لاسيما وأن هذه المسيرات فرضت على إسرائيل الدخول بحوار مع الفصائل الفلسطينية بوساطة مصرية لتحسين الواقع المعيشي في غزة، الذي بلغ مستويات غير مسبوقة من الضغط.

من الواضح أن الفصائل الفلسطينية أوقفت هذه المسيرات عقب وعود تلقتها من مصر بأن إسرائيل بصدد تنفيذ التفاهمات الإنسانية الموقعة معها في أكتوبر 2018، لكن الفصائل باتت تدرك أنه كلما مرّ الوقت أكثر، تزايد إحباطها، وخابت آمالها من الوعود المصرية والإسرائيلية.

ولذلك تعتقد الفصائل الفلسطينية، مرة أخرى وفق وجهة النظر الإسرائيلية، أن عودة المسيرات قد تجبر مصر على العودة مجددًا للتوسط، رغم أنّ الرسائل الواصلة من تل أبيب إلى غزة تتراوح بين الطمأنة والتهديد، لكن المشكلة التي تواجه الفصائل أن توقيت غزة يختلف عن توقيت إسرائيل، التي تعيش موسمًا انتخابيًا حامي الوطيس، وربما تعلم الفصائل أنها في حال قررت العودة للمظاهرات الشعبية على طول الحدود، فإننا قد ندخل في جولة جديدة من التوتر.

الجانبان، المقاومة والاحتلال، ليسا معنيين بأي تدهور أمني واسع النطاق على حدود غزة، قد يؤدي في النهاية إلى أيام قتال دامية، وهي فرضية لم يتم حذفها نهائيا من جدول الأعمال الغزاوي، لكن اليوم تسعى المقاومة، كما يبدو، لممارسة المزيد من الضغوط على إسرائيل، من خلال البالونات الحارقة على مستوطنات غلاف غزة؛ لتعكير صفو حياة المستوطنين.

هذه التطورات المتلاحقة تدفع قيادة الجيش الإسرائيلي، لاسيما في المنطقة الجنوبية، إلى إجراء نقاشات يومية لتقدير الموقف، وجولات تشاورية مع الضباط الميدانيين؛ لمتابعة عمل الوحدات المختلفة على طول الحدود مع غزة، وفق أقصى درجات الجاهزية، من خلال تنظيم عمليات منسقة؛ لمواجهة الحساسية الغزية المتصاعدة في هذه المرحلة.

كل ما تقدم يؤكد أن هذا التوتر على حدود غزة سيرافق الفلسطينيين والإسرائيليين في الفترة القادمة، وصولًا إلى الثاني من مارس يوم الانتخابات الإسرائيلية، بعدها سيكون لكل حادث حديث.

 

التسهيلات الإسرائيلية لقطاع غزة بين الواقع و التطبيق

د. ماهر تيسير الطباع

          منذ عدة شهور وإسرائيل تعلن عن "تسهيلات" إقتصادية جديدة خاصة بقطاع غزة، لكن للأسف فإن كافة التسهيلات التي تعلن عنها إسرائيل عبارة عن "ترقيع" لا فائدة منها، و المطلوب حلول جذرية ، حيث أن هذه التسهيلات لن تساهم في تحسين الحياة الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة ، وهي تسهيلات وهمية ولا انعكاس حقيقيا لها على حياة المواطنين والحركة الإقتصادية في قطاع غزة المحاصر منذ 13 عاما ، والذي يعاني من أعلى معدلات بطالة وفقر بالعالم.

حيث شهد عام 2019 الإستمرار الغير مسبوق في إرتفاع معدلات البطالة و بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فإن معدل البطالة في قطاع غزة قد بلغ 45% في الربع الثالث من عام 2019 وتجاوز عدد العاطلين عن العمل حوالي 217 ألف شخص ، وبحسب البنك الدولي فإن معدلات البطالة في قطاع غزة تعتبر الأعلى عالميا ، وإرتفعت معدلات البطالة بين فئة الشباب و الخريجين في الفئة العمرية من 20-29 سنة الحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط أو بكالوريوس في قطاع غزة

لتتجاوز 69% ، وإرتفعت نسبة الفقر في قطاع غزة لتصل إلى 53% ، ويعيش نحو نصف سكانه تحت خط الفقر الذي يبلغ حوالي 5.5 دولار في اليوم ، وتشير التقديرات إلى أن 62 % من الأُسر في قطاع غزة تعاني من انعدام الأمن الغذائي ، وبينما شهدت إمدادات الكهرباء تحسنًا خلال العام 2019، فلا تزال نوعية الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية وإمدادات المياه رديئة.

عن أي تسهيلات تتحدث إسرائيل و المئات من التجار ورجال الأعمال لا يحملون تصاريح بحجة المنع الأمني الوهمي ، بالإضافة إلى المئات من التصاريح الصادرة والتي تحمل عبارة "بالرغم من الحظر الأمني" ويتعرض العديد من التجار ورجال الأعمال ممن يحملون تصاريح بهذه العبارة إلى سلسلة من المضايقات ، أبرزها تفتيشهم على معبر بيت حانون، وتجريدهم من متعلقاتهم الشخصية وملابسهم والإنتظار لساعات طويلة ومقابلة المخابرات وفي الكثير من الأحيان يتم سحب التصاريح منهم أو إعتقالهم، وبالرغم من إعلان إسرائيل المتكرر عن تسهيلات لتخفيف حدة الحصار الذي تفرضه على القطاع منذ منتصف عام 2007، فإن الواقع على المعابر عكس ذلك تماما، فهي لا تزال تمنع مئات الأصناف من السلع والبضائع والمواد الخام من دخول القطاع ، وتمنع حركة التصدير والتسويق في أسواق الضفة الغربية للمنتجات الصناعية والزراعية بشكل شبه كلي.

و لم يشهد عام 2019 أي تغير في واقع المعابر , فكافة معابر قطاع غزة التجارية مغلقة باستثناء معبر كرم أبو سالم وهو الوحيد الذي يعمل حتى اللحظة وفق الالية السابقة لما قبل الحرب على قطاع غزة , فلم يتغير أي شيء على آلية عمل المعبر من حيث ساعات العمل , عدد الشاحنات الواردة , نوع وكمية البضائع الواردة، ومازالت إسرائيل تمنع دخول العديد من السلع و البضائع و المواد الخام و المعدات و الآليات و الماكينات وقطع الغيار و على رأسها مواد البناء و التى تدخل فقط و بكميات مقننة وفق ألية إعمار غزة لإدخال مواد البناء ( الاسمنت – الحصمة – الحديد).

ومن خلال رصد حركة الشاحنات الواردة عبر معبر كرم أبو سالم , بلغ عدد الشاحنات الواردة للقطاع الخاص إلى قطاع غزة حوالي 90 الف شاحنة خلال عام 2019 ، مقارنة مع حوالي 96 الف شاحنة خلال عام 2018 من مختلف الأصناف المسموح دخولها إلى قطاع غزة بإستثناء عدد شاحنات المحروقات الواردة، وعلى صعيد خروج البضائع من قطاع غزة , فقد بلغ عدد الشاحنات الصادرة 3000 شاحنة إلى أسواق الضفة الغربية و الأسواق الإسرائيلية و الخارج ، وهذا يمثل ما نسبتة 50% من عدد الشاحنات الصادرة من قطاع غزة قبل فرض الحصار، ولتجنيب قطاع غزة من كارثة اقتصادية , اجتماعية , صحية , بيئية يجب على المجتمع الدولي و المؤسسات و المنظمات الدولية و على رأسها الأمم المتحدة و رعاة السلام و اللجنة الرباعية بضرورة الضغط الحقيقي و الجاد على اسرائيل من اجل فتح كافة معابر قطاع غزة أمام حركة الافراد والبضائع و العمل على انهاء هذا الحصار الظالم بشكل فوري.

 

 

 صفقة ترامب ومشاريع المنطقة

أ.حمزة إسماعيل أبو شنب

          أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء (28-1-2020)، خطّته المسمّاة "صفقة القرن" لحلِّ الصراع الفلسطينيّ مع العدو الصهيوني، في مؤتمر صحافي برفقة صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سبقه مباركة من رئيس حزب "أبيض أزرق"، المنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بيني غانتس، بعد دعوته ونتنياهو لزيارة البيت الأبيض وغياب الطرف المؤمن بالتسوية في الجانب الفلسطينيّ.

لا يمكن عزل إعلان ترامب خطّته عن سياق مغازلته لصديقه نتنياهو ومنحه أوراق قوَّة ومساحة واسعة للمناورة في حملته الانتخابية الثالثة خلال أقلّ من عام، فالبداية كانت الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان. وفي الجولة الثانية، منحه الاعتراف بشرعية الاستيطان في الضفة الغربية. وقد سبق ذلك الاعتراف بالقدس موحَّدة عاصمة لـ"دولة إسرائيل" ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب (يافا الكبرى) إلى القدس.

سلوك ترامب والإدارة الأميركية ينصبّ على تنفيذ رؤية اليمين لحسم الصراع في الضفة الغربية وضمِّها، حيث تشكّل الكتل الاستيطانية نحو 10-15% من الضفة الغربية، إضافةً إلى منطقة الأغوار التي تمثل ما يقارب 27% من الضفة الغربية، وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل القدس، وتقسيم الضفة الغربية إلى مجموعة من المناطق المعزولة.

لا أرغب في الخوض بتفاصيل الخطّة المتعلّقة بإنهاء الصّراع وفق الرؤية الإسرائيلية الكاملة على صعيد الأمن والحدود والمعتقلين واللاجئين ونزع سلاح المقاومة، فهذه ليس المرة الأولى التي تُطرح فيها تفاصيل متعلّقة بهذه القضايا، مع موافقة طرف التسوية الفلسطيني على مبدأ نقاشها ووضعها على جدول أعمال المفاوضات.

إنَّ قراءة الموقف الأميركيّ لا يمكن أن يكون بمعزل عن حالة الاصطفاف التي تشهدها المنطقة في ظلِّ الصراع بين عددٍ من المشاريع؛ الأوَّل يقوده محور المقاومة الرافض للهيمنة الأميركية في المنطقة، والداعم لإزالة "دولة العدو" ومحاربتها بأدوات المقاومة كافةً، والذي تشنّ عليه الولايات المتحدة الأميركية حرباً ضروساً من خلال حصار إيران وسلوكها ضد قوى المقاومة، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، ولا سيّما أنَّ الخطة نصَّت على ضرورة مواصلة حصارها في غزة والعمل على نزع سلاحها وسلاح حزب الله في لبنان.

المشروع الثاني يؤمن بالتسوية مع العدو الإسرائيلي وإمكانية تحقيق سلام مع "إسرائيل" عبر المفاوضات، وعلى رأسه السلطة الفلسطينية وبعض الأطراف العربية، والَّذي كان متحمّساً لتولي ترامب قيادة الولايات المتحدة في البداية، ولا أدري هل يدرك هذا الفريق أن الخطة هي نتيجة لمسار التسوية، وهي استمرار للتفاوض الَّذي بدأته نخبة السلطة رغماً عن إدارة الشعب الفلسطيني؟!

أما المشروع الثالث، فهو المؤمن بضرورة التطبيع مع "إسرائيل" والتعامل معها على أنَّها كيان لا يشكّل تهديداً للمحيط العربي والإسلامي، بل يرى بضرورة التحالف معه، لما يمتلكه من مقدّرات عسكرية قادرة على توفير الحماية لأنظمته من فكرة الثورة، وهي أطراف متماهية مع السياسية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وجلّ هدفها المرحلي هو القضاء على إيران وقوى المقاومة في المنطقة، باعتبارهما العدو الأول لها.

لم يكن الحديث عن حصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعزلها، والتباهي باغتيال الشهيد قاسم سليماني، وتجريم سلاح حماس والجهاد الإسلامي، خلال مؤتمر ترامب نتنياهو، إلا تأكيداً على تقسيم المنطقة، كما فعل أسلافهما، بما يحمله من مقارنةٍ وتهديدٍ للدول التي تفكّر في الخروج عن الموقف الأميركي.

اليوم، قع على عاتق قوى المقاومة ومحورها في المنطقة مسؤوليّة كبيرة لمواجهة التحدي الصهيوني الأميركي، وهو ليس التحدي الأول، فقد نجحت المقاومة في الحفاظ على جذوتها في ظلِّ المؤامرات المتواصلة ضدها، وهي اليوم صاحبة المشروع الصاعد في المنطقة، والقادرة على إحباط المخططات الإسرائيليَّة والأميركيَّة. 

 

 

  المنسق واختراق المنظومة المجتمعية للفلسطينيين

أ. رامي الشقرة

          لم يكن عبثا اطلاق وزير الدفاع الصهيوني السابق ليبرمان عام 2015م فكرة وجود كيان استخباري معلوماتي تحت مسمى "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" ،والتي تطبق سياسة حكومة الاحتلال في الضفة وغزة، والتنسيق والارتباط مع السلطة الفلسطينية، وهي وحدة تتبع "وزير الدفاع" ويترأسها "المنسق" برتبة لواء تحمل الطابع الخدمي كحلقة اتصال و تواصل مباشر مع الفلسطينيين ، فبعد التهيئة الفلسطينية بقدسية التنسيق الأمني والتعايش مع فكرة التواصل مع العدو الصهيوني في القضايا الامنية التي تتعلق بالعمل الفدائي المقاوم في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وتبادل معلومات حساسة عن مقدرات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة و المساعدة في احباط 650 هجوما كبيرا منها 10 عمليات تفجيرية و4 محاولات خطف كما زعم نداف ارجمان في تقييم عام 2019م ، وهذا الدور للسلطة الفلسطينية ساهمت في التبرير المرفوض وطنياً من ضعاف النفوس من أبناء الشعب الفلسطيني لتبرير تواصله مع المنسق او حتى سقوطه في وحل العمالة كما حاول ان يبرر ذلك عبد الحميد الرجوب وكمال حماد في حديثهما عن الفارق بينهما وبين ما تمارسه قيادة السلطة في مساعدة العدو الصهيوني.

مكامن الخطورة للتواصل مع صفحة المنسق

            لا يمكن الحديث عن خطورة صفحة المنسق من منطلق الخطورة الامنية لوحدها على الشعب الفلسطيني وقواه الحية من المقاومة بعيداً عن المخاطر الاجتماعية والنفسية لهذا الاختراق والذي ويمكن توضيحه بــــــ

1- التضليل من خلال الاقناع بالرواية الصهيونية ومحاولة الانتصار على الرواية الفلسطينية وتسويق الإرهاب الصهيوني على انه لمصلحة الشعب.

2- التأثير على وعي الجمهور الفلسطيني وإحداث تحول على موقفه من المقاومة عبر حرب المعلومة، التي بات جيش الاحتلال يجاهر باستخدامها في التأثير على الوعي الفلسطيني الجمعي، وذلك من خلال محاولة إحداث تحول على الموقف من المقاومة والكيان الصهيوني ذاته.

3- ضرب الثقة بقيادة الشعب الفلسطيني من خلال حملات التشويه الممنهج لقيادات الشعب الفلسطيني خصوصا في ميدان المقاومة والنضال الوطني.

4- التواصل مع المواطنين الفلسطينيين وقياس توجهات الرأي العام الفلسطيني ومراقبة حسابات الفيسبوك من خلال متابعة تعليقات الناشطين لقياس مدى نجاح سياسات العدو اتجاه الشعب الفلسطيني والعربي.

5- كسر الحواجز النفسية بين المواطن الفلسطيني والعدو الصهيوني وجعل الاتصال والتواصل معه شيئا طبيعيا وزيادة فكرة التعايش مع هذا العدو.

6- الاعتماد على سياسة كسر حاجز الخوف من التواصل مع العدو من خلال التركيز على الحاجات الخاصة بالمواطن الفلسطيني وسهولة.

7- اثارة الجمهور الفلسطيني على الأداء الحكومي الفلسطيني في محاولة للتهرب من مسؤولياته ككيان احتلالي ينهب خيرات الوطن من خلال نشر الإعلانات الخاصة بالعمل لأصحاب الشهادات العليا من الكفاءات في تخصصات معينة كالهندسة والكيمياء والبيولوجيا وغيرها، مبتدئا إعلاناته بالحزن على واقع البطالة المرتفعة في صفوف الخريجين.

8- اختراق المواطن الفلسطيني واستخدامه في عملية التجسس والاسقاط واختراق الترابط الاجتماعي بين الشعب الفلسطيني والعربي.

المنسق اختراق سياسي أمني للفلسطينيين

            خلال السنوات الأخيرة عززت سلطات الاحتلال الصهيوني من توجهاتها لتسلم الدور الإداري والمدني في الضفة الفلسطينية، لتحل محل مؤسسات السلطة الفلسطينية فلا يكاد يخلو افتتاح مشروع خدمي للشعب الفلسطيني الا نرى صورة المنسق حاضرة مع وزراء السلطة أو حتى رؤساء البلديات وحتى في غيابه لا بد له من اطلالة على صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي للحديث عن المشروع والاسهام الإسرائيلي في انجاحه ومنحه التسهيلات اللازمة لإنجازه في رسالة واضحة للمواطن الفلسطيني نحو كي وعيه واختراق عقله، والذي يعتبر استبدالا لهيئة الشون المدنية التي تهتم بكافة القضايا المدنية الفلسطينية التي لها علاقة أو تخضع لسيطرة الجانب الإسرائيلي، هذا الواقع يضع دور الجهات الفلسطينية محط تساؤل بارز، وهذا التوجه يأتي منسجماً مع إعلانات يومية في مجالات متعددة يتعامل خلالها وكأنه المتصرف المسؤول عن الضفة الغربية دون اعتبار أو ذكر لأي طرف مقابل في السلطة الفلسطينية تجهيزاً وتحضيراً لمرحلة ما قادمة.

 

 

خلف المنسق منظومة متكاملة من الخبراء

قد يظن البعض أن الصورة السائدة للمنسق هو ذلك الشخص من جيش الاحتلال الصهيوني مهمته تسهيل الخدمات للفلسطينيين، لكنه في حقيقته وجه أمني قذر يمارس الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني من خلال وسائل قد تبدو للبعض عبارة عن تسهيلات بل ينفذ اجندة أمنية إسرائيلية تركز أعمالها على اسقاط المواطنين وتجنيد العملاء والتي تستخدم أكثر الطرق التقليدية في المساومة والابتزاز لحاجات المواطن، وهو أداة رئيسية في تنفيذ المهمة، وهذه الوحدة يقف خلفها جيش طويل من ضباط على المعابر البرية تحت مسمى مكتب الاستشارة والذي يعتمد على فتح الخطوط المباشرة مع قطاعات بعينها "شخصيات سياسية تستخدم بطاقة VIP، ومدراء مؤسسات إعلامية واعلاميون، وتجار ورجال أعمال".

بالإضافة الى اخرين من ضباط فيلق الوحدة ٨٢٠٠ خلف الشاشات الالكترونية، والتي تعمل ضمن شعبة أمان "جهاز الاستخبارات العسكرية" والتي تعمل على التنصت على المكالمات الهاتفية واختراق العناوين الإلكترونية، و تقوم بتحويل الاسماء المتفاعلة إلى جهاز "الشاباك" الذي يتخصص في محاربة حركات المقاومة الفلسطينية والسعي لإحباط عملياتها بالإضافة للشأن الأمني الداخلي، والفاعل الاساسي الأول في عملية تجنيد الفلسطينيين، وإسقاطهم في وحل العمالة، بالإضافة إلى الأخصائيين في علم النفس والاجتماع من تلك المؤسسة، والتي تعمل على دراسة كل حالة على حدة، ومعرفة كل تفاصيل حياتها ونقاط قوتها وضعفها ومدخلها للتجنيد أو حتى التحييد من دائرة النضال الوطني.

بالإضافة الى اهم مهمة للمنسق برفع التقارير أمام القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال عن توظيف "القوة الناعمة" في إحكام السيطرة على الفلسطينيين أرضا وشعبا، من خلال تنفيذ برامج ومخططات يتكامل تأثيرها مع مفاعيل القوة الخشنة التي تستخدمها أذرع الاحتلال الأخرى.

أخيراً...لابد من التنبيه واخذ الحذر الواجب في التعاطي مع ما ينتج عن المنسق وادواته و تجريم سلوك التواصل معه واعتباره وجها آخرا للتخابر مع الاحتلال ولما يمثله من تحدي للمجتمع الفلسطيني وأمنه.

 

 

 

 

v      الشأن الصهيوني



العقبات لا تزال تواجه حقل غاز "ليفياثان" الإسرائيلي

معهد واشنطن للدراسات

 

         وأخيراً بدأ الإنتاج في حقل "ليفياثان" للغاز الطبيعي بعد تأخير طويل أرجأ تاريخ الانطلاق إلى اليوم الأخير من عام 2019. وإذ سيتدفق الغاز من مكامن تحت سطح البحر تقع على بعد ثمانين ميلاً قبالة الشواطئ الإسرائيلية، ستمرّ الإمدادات عبر منشآت تكرير على حفارة "ليفياثان" المشيدة على بعد ستة أميال من الشاطئ، لتصل بعدها إلى البرّ الرئيسي في قرية دور وتندمج في شبكة غاز تمتد في كافة أرجاء البلاد.     

ويلبي حقل "تمار" الأصغر جزءاً كبيراً من طلب إسرائيل المحلي على الكهرباء، وهو حقل أقرب من الشاطئ جنوباً في أشدود. وعليه، تمّ إبرام عقود لتزويد الأردن ومصر بغاز "ليفياثان"، رغم أن موعد بدء عمليات البيع الفعلية غير واضح بعد.

يُذكر أنه تمّ اكتشاف حقل "ليفياثان" في عام 2010، أي بعد سنة واحدة على اكتشاف "تمار". لكن في حين بدأ الإنتاج في هذا الأخير عام 2013، حالت المماطلة السياسية والقانونية دون تطوير حقل "ليفياثان" لسنوات. وكانت العوامل البيئية المحلية مصدر قلق رئيسي - فحتى في 31 كانون الأول/ديسمبر، وخلال المرحلة المرخصة رسمياً لتدفق الغاز من خط الأنابيب، تردد أن بعض السكان المحليين غادروا شمال إسرائيل خشية التعرض لمواد مسرطنة. وبخلاف منصة "تمار" التي تبعد ثلاثة عشر ميلاً عن البرّ الرئيسي، تمّ تركيب منصة "ليفياثان" أقرب إلى الشاطئ لأسباب أمنية ويمكن رؤيتها بوضوح من قرى في منطقة جبل الكرمل وحتى من الشاطئ.

في الموازاة، ساهمت الخطوات التي اتخذتها تركيا في الآونة الأخيرة في تعقيد المشهد الإقليمي بشكل أكبر بالنسبة للصادرات الإسرائيلية. ورغم أن ادعاءات أنقرة بشأن الغاز البحري المشكوك فيها كانت مطروحة على أجندة النقاشات الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية لأشهر، إلا أن اتفاقية الحدود البحرية الموقعة في تشرين الثاني/نوفمبر بين تركيا وليبيا عزّزت هذه المخاوف. سيتعين الآن على خط أنابيب مثير للجدل يقع في قاع البحر وينقل الغاز القبرصي والإسرائيلي إلى اليونان وإيطاليا المرور عبر مناطق اقتصادية حصرية متنازع عليها، والتي قد تؤخر المشروع أو تعطله. كما أن أسلوب المواجهة المتزايد الذي تنتهجه تركيا يعزّز الشكوك بشأن احتمال استغلال قبرص لاكتشافات الموارد الهيدروكربونية، بما في ذلك حقل "أفروديت" الذي يقع جزء منه في المنطقة الاقتصادية الحصرية لإسرائيل.

وتخضع جدوى الاكتشافات الحديثة بدورها للاختبار جراء أسعار الغاز الطبيعي المنخفضة بشكل مستمر في السوق الدولي. فقد وصلت أساساً تكلفة تجهيز حقل "ليفياثان" ليبدأ عمليات الإنتاج إلى 3.75 مليارات دولار، ويتمّ إرجاء المرحلة الثانية من تطويره إلى حين التأكد أكثر من تحقيقه ربحية. وتقوم الخطة على نقل إمدادات هذا الحقل عبر أنابيب إلى مصر لتحويلها إلى غاز طبيعي مسال وبالتالي تصديرها إلى الأسواق العالمية عبر ناقلات، غير أن القاهرة كانت بصدد خفض إنتاج الغاز الطبيعي المسال مؤخراً بسبب هوامش الربح الضئيلة.  

أخيراً، تشكّل قدرة إيران على امتلاك صواريخ موجهة بدقة مبعث قلق كبير، كما تبيّن من خلال مسؤوليتها المفترضة على الهجوم على منشأة بقيق النفطية السعودية في أيلول/سبتمبر. ويملك «حزب الله» اللبناني أساساً صواريخ إيرانية متطورة ضمن ترسانته. علاوةً على ذلك، خلال نزاع مع غزة قبل عدة سنوات، ضرب صاروخ إحدى مناطق إسرائيل شمالي المنطقة التي يقترب فيها غاز "ليفياثان" من الشاطئ. باختصار، قد يكون الاحتفال بتدفقات الغاز الجديدة قصير الأمد.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

 

  

 

 

v      الشأن الإقليمي

 

 

 


جدل الانسحاب الأميركي من العراق بين الشعارات والاحتياجات

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

 

          مثّلت الضربة الأميركية على معسكر تابع لكتائب حزب الله في منطقة القائم الواقعة على الحدود العراقية - السورية يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2019، ثم الغارة الأميركية التي استهدفت الجنرال قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري المسؤول عن العمليات العسكرية خارج نطاق الحدود الإيرانية)، وأخيرًا قرار مجلس النواب بشأن الوجود الأميركي في العراق، فرصة لطرح موضوع السيادة الإشكالي في العراق، وهو موضوع كان مدار جدل عراقي طويل. ومع كل ذلك ينفتح ملف آخر ظل مغيبًا عن قصد منذ عام 2011، وهو ملف على غاية من الأهمية متعلق بالإطار القانوني الذي يحكم عمل القوات الأميركية في هذا البلد.

هل ثمة إطار قانوني لوجود قوات أميركية في العراق؟

من المعروف أن القانون الأميركي لا يسمح بخضوع أي قوات عسكرية أميركية لقيادة غير أميركية. وبالرجوع إلى أصل الموضوع، فإن العراق والولايات المتحدة الأميركية وقَّعا اتفاقيتين في عام 2008.

أما الاتفاقية الأولى، فكانت اتفاقية وضع القوات Status of Forces Agreement، التي تُعرف اختصارًا باتفاقية SOFA، وقد وقّعها، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي، وريان كروكر السفير الأميركي في العراق. وفي هذه الاتفاقية، تم تحديد الأحكام والمتطلبات الرئيسة التي تنظّم الوجود المؤقت للقوات الأميركية في العراق الذي يبدأ من تاريخ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 1 كانون الثاني/ يناير 2009، ويتواصل ثلاثة أعوام (المادة 30/ 1). وليس هناك أي مادة في هذه الاتفاقية تتيح تمديدها، وهذا يعني أن هذه الاتفاقية انتهت مع الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من جميع الأراضي والمياه والأجواء العراقية، وهو الأمر الذي تحدد بتاريخ لا يتعدى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2011 (المادة 24).

وأما الاتفاقية الثانية، فهي اتفاقية الإطار الاستراتيجي Strategic Framework Agreement التي تُعرف اختصارًا بـ SFA، وهي تتعلق بالصداقة والتعاون بين العراق والولايات المتحدة، وقد جاءت تماشيًا مع إعلان مبادئ علاقة التعاون والصداقة الطويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة. ومن بين المبادئ الواردة في هذا الإعلان، الذي تم توقيعه في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، التعاون في المجال الدفاعي والأمني، وقد جاء في ستة أسطر فقط، ونصّت المادة على ما يلي: "يواصل الطرفان العمل على تنمية علاقات التعاون الوثيق بينهما، في ما يتعلق بالترتيبات الدفاعية والأمنية، من دون الإجحاف بسيادة العراق على أرضه ومياهه وأجوائه. ويتم هذا التعاون في مجالَي الأمن والدفاع، وفقًا للاتفاق بين الولايات المتحدة وجمهورية العراق بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق، وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه". وكما هو واضح، فإن الاتفاقية لم تحدد آليات هذا التعاون، كما أنها ربطت بينه وبين الاتفاقية الأولى؛ وهكذا ليس ثمة إطار لهذا التعاون بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق مع نهاية نفاذ تلك الاتفاقية في عام 2011.

بعد سيطرة تنظيم الدولة في العراق والشام، المعروف بـ "داعش" ISIS، على الموصل في 9 حزيران/ يونيو 2014، وتمدده للسيطرة على ما يزيد على ثلث الأراضي العراقية، لم تكن هناك استجابة أميركية مباشرة[1]. فقد انتظرت الولايات المتحدة شهرين تقريبًا، ليعلن الرئيس باراك أوباما، أوّل مرة، في 7 آب/ أغسطس عن تدخل القوات الأميركية بشكل مباشر في العمليات العسكرية، عبر ضربات جوية أميركية محدودة ضد داعش[2]؛ وذلك بعد مهاجمة الأخير لقوات البيشمركة في مخمور، وقد فُسِّر هذا الأمر بأنه محاولة للدخول إلى أربيل. يضاف إلى ذلك أن التدخل العسكري الأميركي في العراق قد كان من خلال تقديم مساعدات عبر الجو لليزيديين المحاصرين في جبل سنجار. ولكن أوباما كان واضحًا بشأن هذه العمليات العسكرية، فهي في نظره "لا ترقى إلى مستوى المشاركة الكاملة في العراق"، وأكد ذلك بقوله: "بوصفي قائدًا عامًّا، لن أسمح للولايات المتحدة بأن تنجر إلى حرب أخرى في العراق". ولكن الولايات المتحدة بدت أكثر انخراطًا في الحرب بعد ذلك؛ من خلال إعلان أوباما في 10 أيلول/ سبتمبر 2014 عن تشكيل التحالف الدولي لهزيمة داعش، وتصريحه بأن "المعركة ضد داعش هي معركتنا"، مع تحميل الحرب طابعًا دوليًا: "ليست معركتنا وحدنا". أما الهدف من ذلك، فهو "تحطيم داعش وتدميره في نهاية المطاف من خلال استراتيجية شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب"[3]، مع تأكيد أن هذا الأمر يشمل الضربات الجوية، وغيرها من جوانب دعم القوات الموجودة على أرض العراق وسورية[4]. وفعلًا، بدأت عمليات دول التحالف الأخرى في العراق؛ ففي 19 أيلول/ سبتمبر 2014، انطلقت طائرات فرنسية من قواعدها في الإمارات العربية المتحدة، وقامت بأول عملية قصف جوي استهدفت داعش في الموصل[5].

وكان الاجتماع الرسمي الأول للتحالف قد عقد في بروكسل، في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2014، بحضور 60 دولة، وحضور رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ووزير الخارجية إبراهيم الجعفري. وقد تم في هذا الاجتماع تنظيم الجهود وفق خمسة خطوط رئيسة، تقود ضمنها دولتان على الأقل كل خط من هذه الخطوط[6]:

الخط الأول: دعم العمليات العسكرية، وبناء القدرات والتدريب بقيادة الولايات المتحدة والعراق.

الخط الثاني: وقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب بقيادة هولندا وتركيا.

الخط الثالث: قطع وصول داعش إلى الموارد المالية والتمويل بقيادة إيطاليا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

الخط الرابع: معالجة الإغاثة الإنسانية والأزمات المرتبطة بها بقيادة ألمانيا والإمارات العربية المتحدة.

الخط الخامس: فضح الطبيعة الحقيقية لداعش بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

يبدو، إذًا، أننا أمام أهداف تتعلق بالمجتمع الدولي كلّه، وليس بالعراق فحسب، بل إن العراق قد أصبح طرفًا في هذا التحالف من دون أن تكون له قدرة على فرض شروطه، أو حتى التفاوض بشأن ذلك، بسبب الوضع الصعب الذي كان يمر به، وحاجته الملحّة إلى المساعدة الدولية لمواجهة داعش.

يشرح جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق في العراق (2010-2012)، والمبعوث الخاص الذي عيّنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد استقالة بريت ماكغورك، في مقاله "ما وراء الانسحاب الأميركي من العراق"[7]، قرار باراك أوباما، بموافقة من مستشاريه، في كانون الثاني/ يناير 2011، المتعلق بإبقاء القوات الأميركية في العراق، وكان يفترض حينئذ أن تنسحب كليًّا في نهاية ذلك العام بموجب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين عام 2008، وأن أوباما أيضًا اتخذ، في حزيران/ يونيو 2011، قرارًا بشأن عدد القوات التي يجب بقاؤها، وهي 5000 جندي، وأنه كان قد حصل على موافقة رئيس مجلس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي على إجراء محادثات جديدة في هذا الشأن. ولكنّ مشكلتَي الحصانة القانونية لهذه القوات، وصعوبة تمرير الاتفاق الجديد في البرلمان العراقي، كلّها عوامل أدّت إلى إجهاض هذه المحاولة. ويصف جيفري، في مقاله، الوضع القانوني لإعادة انتشار ما يسميه "العدد الصغير من القوات الأميركية غير المقاتلة" في العراق عام 2014 (أي بعد سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق) بأن ذلك يشكّل استثناءً خاصًّا بحالات الطوارئ لسياسة "اتفاقية وضع القوات" المعتادة.

أما عراقيًّا، فلم يكن هناك أي توضيح رسمي للإطار القانوني الذي يحكم قوات التحالف كلّها، والقوات الأميركية بشكل خاص في العراق، وهو موضوع مسكوت عنه تمامًا، بل إن الجميع يحاولون التهرب من مثل هذا التوضيح. ففي إطار "التراشق" الإعلامي بين المالكي والعبادي، تحدث العبادي عن أن استدعاء القوات الأميركية إلى العراق كان قد تم في ولاية المالكي، وأن هذه القوات كانت موجودة قبل استلامه مهماته بأكثر من شهرين، في حين ردّ المالكي بأنّ ذلك "مغالطات وادعاءات"، وتحدث عما وصفه بمسؤولية حكومة العبادي عن استقدام هذه القوات "ومنحها قواعد ثابتة على الأراضي العراقية وصلاحية التحرك على الأرض وسماء العراق من دون الرجوع إلى السلطات العراقية"[8]. وهذه المحاولة، من رئيسَي الوزراء السابقين، تعكس نزوعهما إلى التنصل من مسؤوليتهما المباشرة عن عدم وجود أي إطار قانوني لعمل قوات التحالف في العراق؛ وبسبب ذلك لم تكن طبيعة العلاقة وسياقات العمل بين الطرفين سوى تفاهمات ضمنية غير معلنة، وربما كانت أمرًا واقعًا مفروضًا على الطرفين، وليس إطارًا قانونيًا محددًا وواضحًا وملزمًا لكليهما.

تصف المادة الأولى من اتفاقية SOFA مصطلح Agreed facilities and areas في مواقع وجود القوات الأميركية بـ "المنشآت والمساحات العراقية التي تمتلكها حكومة العراق، والتي تستخدمها قوات الولايات المتحدة أثناء فترة سريان مفعول هذا الاتفاق". ولكن هذا التوصيف ينطبق على القواعد العسكرية في الفترة 2009-2011 حصرًا، ولا وجود لتوصيف قانوني جديد لوضع هذه القواعد في الوقت الحالي. فهل ما زال ثمة منشآت عراقية كما جاء في كلمة الرئيس ترامب بعد القصف الجوي الأخير على قاعدتَي عين الأسد وحرير؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تحدّث ترامب عن تعويضات عن النفقات التي دفعت في بناء هذه القواعد "العراقية" بحسب توصيفه؟ والأهم من ذلك؛ كيف يمكن توصيف وجود القوات الأميركية في هذه القواعد، سواء كانت قوات قتالية، أو مستشارين ومدربين؟ ولكن السؤال الأكثر حرجًا في هذا السياق يتعلق بمسألة الولاية القانونية؛ فاتفاقية SOFA أعطت الولاية شبه المطلقة للولايات المتحدة وليس للعراق، ومن المعروف أن مسألة الولاية القانونية كانت العامل الحاسم في إجهاض مفاوضات الإبقاء على قوات أميركية في العراق بعد عام 2011. صحيح أن المادة الثانية عشرة/ 1 من الاتفاقية تنص على أن للعراق الحق الأوّلي في ممارسة "الولاية القضائية على أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني بشأن الجنايات الجسيمة المتعمدة […] حين ترتكب تلك الجرائم خارج إطار المنشآت والمساحات المتفق عليها، وخارج إطار الواجب"، لكنّ هذه المادة لا قيمة لها في الحقيقة؛ لأن هذه العناصر، بسبب التهديدات الجدّية، لا يمكن أن تكون خارج هذه المنشآت أصلًا إلا في إطار واجبات محددة، كما أن هناك مواد أخرى تجعل هذه الولاية خالية من أي محتوى، ذلك أنّ المادة نفسها تسلب عن الجهات العراقية حق احتجاز المتهمين (الفقرة 5)، في حين أنّ الفقرة 3 من هذه المادة تعطي الولايات المتحدة الولايةَ القضائية المطلقة داخل المنشآت والمساحات المتفق عليها، وأثناء حالة الواجب خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها، وفي الظروف غير المشمولة بنص الفقرة 1.

وكما يبدو واضحًا، وبحسب ما أوردته وكالة "أسوشيتد برس"، ليس ثمة إطار قانوني لوجود أميركي وصل إلى حدود 5200 عسكري[9]، إضافةً إلى أنّ هذا الوجود ليس من أجل التدريب والمشورة ومساعدة القوات العراقية فقط؛ إذ ترتبط القوات الأميركية الموجودة في سورية لوجستيًا بالقوات الأميركية في العراق، وقد كانت القواعد "العراقية" مواقع تمركز وإعادة انتشار هذه القوات في سورية خلال المرحلة السابقة. كما تقوم القوات الأميركية في العراق بالعديد من المهمات الخاصة، المعلنة وغير المعلنة، في الأراضي السورية.

تصف الخارجية الأميركية بعثتها في العراق بأنها مكرسة للشراكة الاستراتيجية الدائمة مع حكومة العراق والشعب العراقي، بالتنسيق مع التحالف العالمي لهزيمة داعش، وأنّ اتفاقية الإطار الإستراتيجي SFA بين العراق والولايات المتحدة، توفر الأساس للعلاقات الثنائية بين البلدين، بما في ذلك الدفاع والأمن، وأنّ ثمة "لجنة تنسيق عليا" والعديد من لجان التنسيق المشتركة لتنفيذ هذه الاتفاقية في مختلف المجالات، وأنّ لدى سفارتها في بغداد مكتبًا للتعاون الأمني بين البلدين لتعزيز هذه الأهداف، وتسهيل دور العراق بوصفه شريكَ أمن مسؤولًا، والمساهمة في تحقيق السلام والأمن في المنطقة[10]. ولكنها لا تشرح لنا ما يلي: لماذا لم يتمّ "إنفاذ" هذه الاتفاقية من جانب الولايات المتحدة بعد دخول داعش إلى الموصل؟ ولماذا انتظرت شهرين تقريبًا قبل أن تتدخل، فضلًا عن أنّ تدخلها ليس التزامًا بالاتفاقية، بل فرضته عليها عواملُ موضوعية على الأرض؟ وكيف يمكن بضعة أسطر عن التعاون العسكري والأمني في هذه الاتفاقية أن تشكل إطارًا قانونيًا للقوات الأميركية في العراق؟

أما الأطراف الأخرى في التحالف، فهي تبدو أكثر موضوعية في توصيف مهمتها في العراق، كما هو الحال مع هولندا؛ إذ إنّ وزارة الدفاع الهولندية التي تنشر مدربين عسكريين في العراق، تصف دورها بأنه يأتي في إطار التنسيق مع عدد من الدول الأخرى بقيادة الولايات المتحدة للمساعدة في كسر القوة القتالية لداعش الإرهابي، وأنّ مهمتها تأتي في إطار الحرب الدولية ضد ذلك التنظيم الإرهابي[11].

الموقف الرسمي العراقي من الوجود الأميركي في العراق من خلال الرجوع إلى الموقف العراقي الرسمي، وطوال الأعوام ما بعد 2014، لم نرَ مثلًا محاولة، من مجلس النواب العراقي، أو أي سلطة من سلطات الدولة العراقية، تتساءل عن الإطار القانوني الذي يحكم قوات التحالف في العراق، ومن ضمنها القوات الأميركية، مع أنّ هذا الموضوع كان مثارًا للجدل حين زار الرئيس ترامب القوات الأميركية في قاعدة عين الأسد بمناسبة الاحتفالات بأعياد الميلاد في عام 2018. لا أحد من "الساخطين" أقدم على طرح الموضوع طرحًا جدّيًّا في مجلس النواب، أو في غيره من سلطات الدولة ومؤسساتها.

لم يتحول موضوع الوجود الأميركي إلى موضوع جوهري في السجال السياسي إلا بعد قيام الولايات المتحدة بقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، رفقة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، قرب مطار بغداد في 2 كانون الثاني/ يناير 2020، وهو ما دفع مجلس النواب يوم 5 كانون الثاني/ يناير 2020 إلى اتخاذ قرار "يلزم" الحكومة العراقية بـ "إلغاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش"[12]، و"يطلب" منها العمل على إنهاء وجود "أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية، ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأي سبب كان"[13]. ولا يمكن فهم هذا "القرار"، بطبيعة الحال، إلّا من جهة أنه محاولة استعراضية، وأنه لا يعكس إرادة جدّية لسحب القوات الأميركية بوجه خاص من العراق. فأعضاء مجلس النواب يدركون تمامًا أن هذا المجلس لا يملك صلاحية إصدار "قرارات" ملزمة للسلطة التنفيذية بأي حال من الأحوال؛ إذ حدد الدستور العراقي اختصاصات مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، فضلًا عن اختصاصات أخرى تتعلق بالتعيينات، والاستجوابات، وسحب الثقة، وإعلان حالة الحرب أو حالة الطوارئ. إنّ الدستور لم يتضمن أي إشارة إلى أن من اختصاصات المجلس إصدار قرارات تكون لها قوة القانون، وتكون ملزمة للسلطة التنفيذية (المادة 61 من الدستور). كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب، في المادتين 30 و31، المتعلقتين باختصاصات مجلس النواب، لم يُشر من بعيد أو قريب إلى صلاحية مجلس النواب بشأن اتخاذ قرارات لها قوة القانون "أي إصدار قواعد عامة مجردة بعنوان قرارات تتضمن قواعد عامة تلزم الحكومة بتنفيذها"، وهذا يعني عمليًّا أن مجلس النواب لا يمتلك أي صلاحية لإصدار قرارات؛ ومن ثمّ فهي ليست ذات قيمة إلزامية، وهو ما أكدته المحكمة الاتحادية نفسها (قراراتها باتَّة وملزمة للسلطات كافةً، بحسب إقرار الدستور العراقي بذلك) التي سبق لها أن أصدرت قرارين في هذا الشأن[14]، كان أولهما في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2018، الذي قضى بعدم دستورية المادة 17/ سابعًا من قانون "مجلس النواب وتشكيلاته" التي نصت على أن من اختصاصات مجلس النواب: "إصدار القرارات التشريعية". فقد أقرّت المحكمة الاتحادية بأنّ الدستور العراقي "في المادة 61/ أولًا، نصّ على اختصاصات مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية، ولم ينصَّ على تخويله إصدار قرارات تشريعية عدا ما نصَّ الدستور عليه في مواضعه على تخويله إصدار عدد من القرارات ضمن المواد الواردة في الدستور، ومنها المادة 52/ ثانيًا وتلك التي نصت على المادة 61؛ لذا فإن نص المادة 17/ رابعًا من القانون لا سند له من الدستور"[15].

أما القرار الثاني، فقد صدر في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أي في ولاية مجلس النواب الحالي، وقضى أيضًا بأنّ إصدار مجلس النواب قرارات تشريعية "ليس له سند من الدستور، إلا في المواضع التي نص الدستور عليها حصرًا، وليس من بينها إصدار قرارات تشريعية بديلًا للقوانين وفق السياقات التي رسمها الدستور لإصدار القوانين"[16].

وسبق لقسم الدراسات القانونية والصياغة التشريعية في مجلس النواب أن نشر رأيه القانوني في موضوع القرار النيابي ومدى إلزاميته في موقع مجلس النواب نفسه، وقد جاء فيه أن "صلاحية واختصاص إصدار قرار نيابي من قبل مجلس النواب في العراق يحتاج إلى نص دستوري يتضمن الإشارة إلى ذلك كون أن اختصاصات المجلس التي حددتها المادة 61 من الدستور قد خلت من صلاحية إصدار قرار [...] إضافة إلى ذلك وجوب النص على أن هذا القرار يكون ملزم التنفيذ من السلطة التنفيذية [...] وبخلاف ذلك فإن هذه القرارات التي يصدرها مجلس النواب يمكن الطعن بها وعدم نفاذيتها"[17].

من جهة ثانية، وبعيدًا عن عدم دستورية هذا القرار من الأصل، كيف يمكن مجلس النواب أن "يلزم"، وأن "يطالب" حكومة مستقيلة، ليست كاملة الصلاحيات، بل حكومة تصريف أمور يومية، كما يصفها الدستور العراقي، ومن ثمّ ليس من صلاحيتها اتخاذ "قرارات" يمكنها أن تلزم الحكومة اللاحقة بها؟ لقد سبق أن صرّح رئيس الوزراء المستقيل نفسه بأن حكومته لن تقوم بتقديم مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2020؛ لأنها حكومة تصريف أمور يومية وأنها "حاولت إيجاد مخرج قانوني لنتمكن من إرسال مشروع الموازنة إلى البرلمان ولكننا لم نستطع فعل ذلك"[18]. فلماذا صرّح بعدم وجود مخرج قانوني لإرسال الموازنة، ومع هذا لم يعترض على التعامل مع "قرار" في الأصل غير قانوني، في وقت متزامن مع القرار المتعلق بالموازنة؟

موقف القوى العراقية المختلفة من بقاء القوات الأميركية

يبدو واضحًا أنه ليس ثمة "إجماع" وطني على موضوع سحب القوات الأميركية من العراق. فقد أعادت المواجهة الأميركية - الإيرانية على أرض العراق، الاستقطاب القومي والطائفي مرة أخرى داخل مؤسسات الدولة السيادية، بعد أن حاول الجميع نكران هذا الاستقطاب طويلًا؛ إذ أظهر التصويت على قرار إخراج القوات الأميركية من العراق، تباينًا واضحًا في موقف الهويات الفرعية من هذه المسألة، فقد رفضت الكتل الكردية والسُنية هذا القرار، في مقابل شبه إجماع للكتل الشيعية عليه، وأظهرت هذه المواجهة - في الوقت نفسه - تباينات شديدة في مواقف القوى السياسية الشيعية الرئيسة تجاه شكل الدولة التي تريدها؛ بين قوى عقائدية/ ولائية تجد نفسها ضمن المشروع الإيراني، وبين قوى ترى ضرورة إيجاد مسافة بين المصالح "الوطنية" للدولة العراقية ومصالح "الدولة الإيرانية"، بمعزل عن الهوية الشيعية التي تجمعهما معًا، ولكن الأخيرة عاجزة عن الإفصاح عن مشروع متماسك، ومعلن، يستطيع الوقوف في وجه تغوّل الطرف الأول على القرار الشيعي في العراق.

خاتمة

من خلال ما تقدم، يبدو أنه ليس ثمة جدّية في طلب رئيس الحكومة المستقيلة، عادل عبد المهدي، سحب القوات الأميركية، وأن التصويت في مجلس النواب لا يُعد ملزًما للحكومة في هذا الشأن. وفضلًا عن العراق، ما زال للقوات الأميركية وجود في المنطقة، وتحديدًا القوات الجوية التي كان لها الدور الأبرز في هزيمة داعش. وإنّ الخروج "المبكر" لهذه القوات قد يعيد سيناريو عام 2014 مرةً أخرى، أي عودة داعش، ومن ثمّ تشكيله خطرًا حقيقيًا. كما أن أي قرار سياسي حاسم بشأن خروج القوات الأميركية قد يفتح المجال أمام رفض كردي لقرار على هذا النحو؛ لذا فإنّ بقاء القوات الأميركية في إقليم كردستان، خاصة إذا ما قررت الولايات المتحدة إعادة النظر في قرارها بشأن "استقلال" هذا الإقليم[19]، أو إذا ما دعمت بشكل مباشر قوى سُنية في اتجاه إعلان تمسكها ببقاء القوات الأميركية في العراق في مناطقها، وهو ما يهدد وحدة البلاد بشكل جدّي. إضافةً إلى ذلك، تعتقد إيران أن أي انسحاب أميركي من العراق، قد يؤدي إلى عقوبات أميركية حقيقية على العراق، خاصة مع عجزه عن الالتزام بالعقوبات الأميركية (يحظى العراق باستثناء أميركي مؤقت، يتم تجديده كل 90 يومًا، في ما يتعلق بوارداته من الغاز والكهرباء الإيرانيَين)، وهذا يعني أن إيران قد تخسر شريانها الاقتصادي الرئيس الذي يمدها بالعملة الصعبة[20]؛ ذلك أنها تطمح إلى رفع مستوى مبيعاتها في هذا الشأن إلى ما يعادل 20 مليار دولار سنويًا، وهذا يعني أن ما يمكن أن يدخلها من العملة الصعبة من العراق قد ينافس ما يدخلها من عملة صعبة من مبيعاتها للنفط في ظل الحصار[21]، ويضاف إلى ذلك - بطبيعة الحال - غياب الإرادة السياسية العراقية لتحقيق ذلك.

 لقد كانت المقاربة الأميركية حينئذ تقوم على أساس أن سقوط الموصل كان نتيجة مباشرة للسياسات الطائفية التي مارسها رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، والتي خلقت بيئة مواتية لظهور "داعش" في العراق. ومن هنا، اعتقد الأميركيون أنه لا بد من التزام الحكومة العراقية بمقاربة سياسية تعيد ثقة الجمهور السُني بالدولة العراقية، كمقدمة ضرورية لهزيمة داعش. وكانت الفكرة الرئيسة في هذا السياق تشكيل قوى محلية، بقيادات محلية ("الحرس الوطني")، ومن ثمّ يمكن أن تكون مقدمة لمعالجة أزمة الثقة القائمة بين جمهور المحافظات الخاضعة لسيطرة داعش والحكومة العراقية والقوات العسكرية والأمنية، ويمكن أن يكون ذلك في الوقت نفسه بمنزلة "رأس الحربة" في هزيمة داعش. وهذه هي الفكرة التي قبلت الحكومة العراقية التعامل معها بجدّية، فكانت هدفًا أساسيًا في البرنامج الحكومي الذي تقدم به حيدر العبادي لنيل الثقة في أيلول/ سبتمبر 2014، على أن يكون "الحشد الشعبي" جزءًا من هذا التشكيل. وبالفعل، تم تداول أكثر من مسودة قانون في هذا الشأن، ولكن الفاعلين السياسيين من الشيعة تمكنوا في النهاية من وأد هذه الفكرة، مع تحوّل الحشد الشعبي إلى أمرٍ واقع عبر تخصيص ميزانية رسمية له في قانون الموازنة لعام 2015، مع أنها كانت من دون أي إطار دستوري أو قانوني. كما اضطر الأميركيون، نتيجة لضغط داعش، والحاجة التكتيكية إلى الحشد الشعبي، إلى التخلي تمامًا عن فكرة "الحرس الوطني"، وهو ما عكس عمليًا تخليها عن أي مقاربة سياسية؛ وذلك بالتركيز على المقاربة العسكرية لهزيمة داعش حصرًا.

 

 

 

 

 

 

الشأن الدولي

 


نظرية التوازن من خلف البحار" وواقع العلاقات الأميركية-الإيرانية

مركز الجزيرة للدراسات

 

              تبحث هذه الورقة استراتيجيات الولايات المتحدة وأثرها على العلاقات الأميركية-الإيرانية؛ كما تبحث الأسباب الكامنة خلف إقدام الرئيس الأميركي على إعطاء الأوامر بقتل مهندس النفوذ الإيراني الخارجي، اللواء قاسم سليماني. كما تحاول استقراء مستقبل الداخل الإيراني على المدى القصير.

شكَّل خروج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي تغييرًا واضحًا في الاستراتيجيات الأميركية الكبرى التي اتبعتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ويعتبر منظِّرو السياسات الخارجية الأميركية أن الرئيس، دونالد ترامب، لم يكسر فقط استراتيجية أوباما بعدم التدخل المباشر في الشرق الأوسط تحت عنوان "الهيمنة الليبرالية"، بل كسر -ولو بشكل جزئي ومؤقت- استراتيجيته هو نفسه التي اتبعها في سوريا وهي استراتيجية "التوازن من وراء البحار". وبالتالي، جاءت عملية اغتيال سليماني ضمن هذا السياق. كما اختلفت الآراء حول الأسباب التي دفعت الرئيس، دونالد ترامب، إلى عدم الاكتفاء بسياسة العقوبات الاقتصادية بالحد الأقصى ضد طهران؛ واللجوء لعملية اغتيال الجنرال سليماني.

من جهة أخرى، فقد جاء الرد الإيراني على هذه العملية سريعًا ولكنه لم يسبِّب خسائر في الأرواح، مما مهَّد لإعادة التركيز على سياسة العقوبات الاقتصادية التي تؤثِّر على إيران واقتصادها وتلعب دورًا محوريًّا (ليس وحيدًا بالضرورة) في تغيير موازين القوى في الداخل الإيراني؛ وفقدان الرئيس روحاني ومن خلفه تيار الاعتدال المتحالف مع الإصلاحيين لشعبيتهم التي تنتظر امتحانًا صعبًا للغاية وهو انتخابات مجلس الشورى الإسلامي الإيراني في فبراير/شباط 2020.

تبحث هذه الورقة استراتيجيات الولايات المتحدة وأثرها على العلاقات الأميركية-الإيرانية؛ كما تبحث الأسباب الكامنة خلف إقدام الرئيس الأميركي على إعطاء الأوامر بقتل سليماني مهندس النفوذ الإيراني الخارجي، اللواء قاسم سليماني. كما تحاول استقراء مستقبل الداخل الإيراني على المدى القصير الذي يمتد من عملية قتل سليماني إلى الانتخابات الأميركية المقبلة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

أولًا: نظرية "التوازن من وراء البحار" وتجلياتها على السياسة الأميركية

تمر الولايات المتحدة بمرحلة انتقالية ضمن البيئة الأمنية الدولية ويجب عليها تقييم الاستراتيجيات الكبرى وتحديد ما إذا كانت الموارد والإرادة والمصالح الوطنية متوازنة؛ بعد أكثر من 17 عامًا على خوض حربين في بيئة عالمية متغيرة، مما جعل البعض يناقش التغييرات في الاستراتيجية الأميركية الكبرى. علاوة على ذلك، وصلت الولايات المتحدة إلى النقطة التي يجب عليها الآن أن تتخذ فيها خيارات صعبة بشأن استراتيجيتها الكبرى بسبب الإجهاد المفرط، وضغط الحربين الرئيستين (أفغانستان والعراق)، والكونغرس الراكد، والآثار المتبقية لاستراتيجية الهيمنة(1).

يناقش الوسط الأكاديمي الأميركي العديد من الاستراتيجيات ويدعي بعضهم أن استراتيجيات الولايات المتحدة لم تتخطَّ نوعين، هما:

1) استراتيجية "التوازن من وراء البحار"(2): يناقش هذه النظرية الباحثان الأميركيان، البروفيسور جون ميرشايمر والبروفيسور ستيفن والت (John Mearsheimer and Stephen Walt)، المعروفان في حقل التنظير في العلاقات الدولية؛ إذ ينتمي الباحثان -كما هو معروف- إلى المنظور الواقعي عمومًا وإلى تيار الواقعية الكلاسيكية الجديدة على وجه أخص -بشقيها الدفاعي (والت) والهجومي (ميرشايمر)- والذي يُعد أكثر التيارات النظرية تأثيرًا ونفوذًا في هذا الحقل المعرفي، فلطالما وُصفت الواقعية بالتيار السائد (Mainstream). يناقش الباحثان هذه النظرية ويعتبرانها الاستراتيجية الأمثل لإدامة التفوق الأميركي في المستقبل المنظور أو ما يسميانه باستراتيجية "التوازن من وراء البحار"، أي خارج مجال القسم الغربي للعالم الذي يشهد صعودًا لقوى كبرى أخرى منافسة للولايات المتحدة على مكانة الهيمنة الكونية. تقوم استراتيجية "التوازن من وراء البحار"، على مبدأ محوري مهم هو أنَّ بإمكان واشنطن أن تتخلى عن جهود طموح لتشكيل بقية المجتمعات وتركز على ما يهمها فعلًا، أي: الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في القسم الغربي من العالم ومواجهة مهيمنين محتملين في أوروبا، شمال شرق آسيا ومنطقة الخليج(3).

  فبدلًا من سياسة العالم وحراسته، سوف تشجع الولايات المتحدة بقية البلدان على أخذ زمام المبادرة لمراقبة -وعرقلة- القوى الصاعدة، والتدخل لحظة الضرورة وحسب. لا يعني ذلك التخلي عن مكانة الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى العالمية الوحيدة أو التراجع إلى "قلعة أميركا" المحصنة خلف محيطين. بدلًا من ذلك، وعبر ادخار قوة الولايات المتحدة، سوف تُحافظ استراتيجية "التوازن من وراء البحار" على الريادة الأميركية لأمد بعيد في المستقبل، كما أنها تُحافظ على -مكسب- الحرية داخل الديار(4).

وتؤكد هذه النظرية على أن الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت على استراتيجية "التوازن من وراء البحار"، لا بل يُقال بأن تأخر الولايات المتحدة في الدخول في الحرب العالمية الثانية وحسمها، نابع من إيمان الولايات المتحدة بهذه النظرية، فهي تقوم على مبدأ التدخل عند الضرورة فقط وهي تسعى لإيجاد توازن بين القوى الإقليمية والعالمية من خلف البحار "الولايات المتحدة". لا تمنع هذه النظرية التدخل المباشر لتغيير موازين القوى بشكل مطلق، بل تحصره في الحالات التي يظهر فيها "مهيمِن" معيَّن قد يستأثر بالهيمنة على تلك المناطق المهمة. ومن هنا، وعندما توقعت الولايات المتحدة هيمنة ألمانيَّة على أوروبا بوصفها منطقة استراتيجية مهمة للولايات المتحدة، تدخلت بشكل مباشر وقلبت موازين القوى ومنعت ألمانيا "المهيمِن المفتَرَض" من السيطرة على أوروبا.

ويذهب "والت" إلى أن الولايات المتحدة بقیت وراء البحار، تاركةً زمام المبادرة للمملكة المتحدة في منع أية دولة من السيطرة على منطقة الخليج الثري بالنفط. وبعد الإعلان البريطاني بالانسحاب من الخليج سنة 1968، التفتت الولايات المتحدة لشاه إيران وإلى المملكة العربية السعودية لأداء هذه المهمة. وعندما سقط الشاه سنة 1979، شرعت إدارة كارتر في بناء قوة انتشار سريع، كقدرة عسكرية قادمة من وراء البحار، مُصمَّمَة لمنع إيران أو الاتحاد السوفيتي من الهيمنة على الإقليم. لقد ساعدت إدارة ريغان العراق أثناء الحرب مع إيران سنوات 1980-1988 لأسباب مشابهة. کما بقيت القوات العسكرية الأميركية "وراء البحار" إلى غاية 1990، حينما استولى صدام على الكويت مهدِّدًا بذلك التوازن الإقليمي، واضعًا كلًّا من العربية السعودية وبقية دول الخليج المنتِجة للنفط في خطر. ولاستعادة توازن القوى الإقليمي، أرسلت إدارة جورج بوش الأب قوة عسكرية فورية لتحرير الكويت وسحق آلة صدام العسكرية(5).

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تعالت أصوات في الولايات المتحدة داعية لتغيير الاستراتيجية إلى ما يسمى 2) "استراتيجية الهيمنة الليبرالية"(6)، نظرًا لأن الولايات المتحدة وجدت في نفسها قوة فاعلة منفردة "مهيمنة" تستطيع فرض سيطرتها دون اللجوء إلى التوازن بين القوى الإقليمية. وهو ما تُوِّج بتدخلها في العراق لإسقاط صدام حسين. باختصار رائد هذه الاستراتيجية هو "جورج بوش الابن". وتعتمد هذه النظرية على التدخل المباشر بالقوة الأميركية والجيوش الأميركية لمواجهة أنظمة ديكتاتورية "صدام حسين"، أو مجموعات أيديولوجية "تنظيم القاعدة". وفي أهدافها الفرعية تسعى لنشر الديمقراطية والحرية عن طريق الدبابات. إن التخلي عن نظرية إدارة التوازن لم ينتج عنه إلا الخسائر الفادحة التي أثقلت كاهل الإدارة الأميركية ولإسقاط مفاهيم هذه النظريات على الواقع الأميركي-_الإيراني. يبدو أن التدخل الأميركي المباشر لفرض "الهيمنة الليبرالية الأميركية" لم تظهر نتائجه السلبية في المرحلة الأولى لهذا التدخل؛ فحتى بعد التدخل بقيت القوى المحلية تحقق توازنًا يمنع السيطرة على العراق.

وصل بريمر إلى بغداد، يوم 12 مايو/أيار 2003، ليعمل مشرفًا على شؤون العراق بوصفه المبعوث الشخصي للرئيس جورج بوش الابن. وبعد وصوله أصدر قرارًا بحلِّ الجيش وجميع المؤسسات ذات الصلة بالأمن الوطني وكل التشكيلات العسكرية، وأُنهيت خدمات جميع المنتسبين إلى الجيش العراقي، وأُعلن إنشاء جيش عراقي جديد من الجيش القديم والميليشيات الشيعية والكردية.

سعى بريمر منذ تقلده منصبه إلى اجتثاث جذور حزب البعث الذي كان يحكم العراق، فحَلَّ الحزب ومنع كبار مسؤوليه من شغل مناصب في الحكومة الجديدة، وألغى عدة وزارات ومؤسسات عراقية وأعلن أنها غير شرعية. ومن بين الوزارات والمؤسسات التي حُلَّت: القوات المسلحة، وقوات الحرس الجمهوري، ووزارتا الدفاع والإعلام، واللجنة الأولمبية، فضلًا عن المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة(7).

أنتج هذا التدخل المباشر نوعين من الأخطاء والمخاطر التي لا تُغتفر، وهما: أ) ظهور قيادات ذات ولاءات متعددة سمحت لقوى إقليمية بالدخول إلى الميدان السياسي، وبناء نفوذ في الداخل العراقي. ب) ظهور ما سُمِّي فيما بعد بتنظيم الدولة.

ما نود قوله هو: لولا التدخل الأميركي في العراقي، ولو أن جورج بوش حافظ على التوازن بين العراق والقوى المحيطة به لما ظهرت قوى فاعلة في العراق مهدت الطريق لنفوذ إيراني واسع ومن ثم تتسع الفوضى ليظهر إلى العلن ما يسمى تنظيم الدولة، وفي المرحلة الثالثة ظهور قوات "شيعية البِنية" لمقاتلة داعش وإخراجها من العراق. وبذلك، اختلت موازين القوى في المنطقة مما تسبَّب في تضارب الاستراتيجيات الأميركية. ولكن ومع وصول أوباما إلى سدة الحكم حاول العودة إلى "التوازن من وراء البحار" وابتعد عن التدخل المباشر مطلقًا واعتمد على قوى محلية لإدارة التوازن، وسعى من جديد إلى إعادة إيران إلى منظومة هذا التوازن بإقناعها بتوقيع الاتفاق النووي لعام 2015، ومحاولة منعها من امتلاك قنبلة نووية تقلب فيها كل المعادلات في الشرق الأوسط.

إن الاتفاق النووي الإيراني دفع إيران إلى الالتزام بعدم تصنيع قنبلة نووية وهو ما كانت تراقبه وكالة الطاقة الذرية التي أكدت على أن إيران تلتزم بدقة بخطة العمل المشتركة ولم تنتهك هذا الاتفاق حتى بعد انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من هذا الاتفاق(8) بأكثر من عام.

وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب لا يُوفر فرصة إلا واستغلها، لانتقاد تركة الرئيس أوباما إلا أنه يتبع استراتيجية مشابهة لاستراتيجية أوباما (في سوريا فقط دون باقي المناطق)، وهي مرة أخرى "التوازن من وراء البحار" خصوصًا عندما قرر سحب قواته من سوريا.

شكَّل الانسحاب من الاتفاق النووي ضربة قوية للتوازن في المنطقة، وعلى إثره سعت طهران لتصبح قوة مهيمنة في منطقة الخليج وهذا بالفعل وفر لها بيئة مناسبة لشنِّ هجمات في الخليج والعراق على حدٍّ سواء.

خلاصة القول: إن هذه الخلافات أخذت شكلًا جديدًا منذ أربعين عامًا بين الولايات المتحدة وإيران وتحولت من مجرد خلاف على بعض القضايا إلى خلاف في البنية والماهية، وهي خلافات غير قابلة للحل، كما قال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي(9)؛ وإن تمت الإشارة إلى الاتفاق النووي بوصفه تقاربًا بين الطرفين، فنحن نرى أنه أقرب إلى "الهدنة السياسية المؤقتة" من التقارب. ويمكن إيجاز هذه الخلافات بثلاثة مواضيع، هي:

1) منع إيران من تصنيع قنبلة نووية.

2) الصواريخ الباليستية الإيرانية.

3) تدخلات إيران في المنقطة ودعمها لميليشيات خارج إطار الجيوش الرسمية.

إن نظرية "ميرشايمر" و"والت"، "التوازن من وراء البحار" تعطي حلولًا مناسبة للمعضلات الثلاث سابقة الذكر. فالاتفاق النووي يمنع المعضلة الأولى من التحقق وهي الحصول على القنبلة النووية؛ إذ إن إيران كانت ملزمة بموجب هذا الاتفاق بالالتزام بعدم تجاوز حدود معينة من تخصيب اليورانيوم لعام 2025. أما المعضلتان الأخريان فيتم حلهما عن طريق باقي أجزاء هذه النظرية وهي الاعتماد على العناصر المحلية والإقليمية ودعمها دون التدخل المباشر في نزاعات مباشرة، لتحقيق توازن مهم مع إيران.

ولكن ترامب قام بعكس ذلك، فقد قام بإعطاء الحلفاء الحاليين الدعم غير المشروط مع نبذ إيران، وكان هذا سببًا في ضعف تأثير الولايات المتحدة على سلوك الجميع، وبالتالي يحد من قدرتها على تشكيل الأحداث بطرق إيجابية. ترامب يشجع الحلفاء على قبول الدعم الأميركي كأمر مفروغ منه. ولماذا لا ينبغي عليهم ذلك؟ يتساءل "والت". فبالنظر إلى العشق والخدمات والدعم السياسي الذي يقدمه ترامب لقادة مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يجعل من توقعهم للدعم الأميركي غير المشروط منطقيًّا، ويمنحهم كذلك القليل من الحوافز للتحرك لإحداث توازن مع إيران(10)، والأسوأ من ذلك، أن هذا الموقف غير الحاسم، يشجِّع ما يسميه باري بوسن، خبير دراسات الأمن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على ظهور "القيادة المتهورة"(11)؛ مما يعني ميل الحلفاء إلى تحمل مخاطر غير ضرورية ومتابعة سياسات متهورة لأنهم يعتقدون أن القويَّ الأميركي سيدافع عنهم ويخرجهم من ورطاتهم، إذا ما واجهوا صعوبات. هذه الثقة المفرطة تفسر سبب اعتقاد الحكومة الإسرائيلية أن بناء المستوطنات لا يشكل أي مخاطر؛ ويساعدنا على فهم سبب قيام محمد بن سلمان بشنِّ حرب مكلفة وغير إنسانية في اليمن، ومحاولته الفاشلة في حصار قطر، والتدخل في لبنان وسوريا وقتل خاشقجي دون أهداف واضحة. ويعود السبب في ذلك جزئيًّا إلى أنه متهور ومندفع، ولكنه أيضًا على ثقة من أن أميركا تحمي ظهره الآن بغضِّ النظر عن مدى سوء أدائه(12).

يُطبق ترامب نظرية "التوازن" بشكل جزئي في سوريا، إذ يترك المجال للقوى المحلية والإقليمية وروسيا لإحداث توازن في هذه المنطقة مع حفظ المصالح الأميركية هناك، بأقل قدر ممكن من التدخل العسكري ومن التكاليف العسكرية. وطالما أنه لم يظهر "مهيمنٌ" على الساحة السورية فهو على يقين بأن استراتيجية "التوازن" تقوم بدورها الفاعل في سوريا وتقلِّل التكاليف العسكرية وتخفض من نسبة الانخراط المباشر في حروب عقيمة. ولكن على المستوى الإيراني، فانسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، أسهم بشكل أو بآخر بتقهقر نظرية التوازن التي كانت موجودة في منطقة الخليج. ولم تكن القوى الإقليمية (التي من المفترض عليها إحداث توازن إقليمي)، قادرة على إحداث هذا التوازن نظرًا لأنها منشغلة بقضايا أخرى وتركت المهمة للولايات المتحدة لمواجهة إيران، وهو ما تجلَّى بشكل واضح بحتمية تدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر واغتيال اللواء قاسم سليماني.

ثانيًا: تغيير قواعد اللعبة وقتل سليماني

       منذ انسحاب الرئيس الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، تم رسم قواعد اللعبة بين الطرفين؛ وسعى الطرفان لوضع خطوط حمراء يجب عدم تجاوزها من قِبل الآخر. إلا أن الرئيس ترامب كسر هذه القواعد واتخذ قرارًا خطيرًا باغتيال سليماني يوم الجمعة 2 يناير/كانون الثاني 2020. وغيَّر بذلك قواعد اللعبة بشكل مؤقت. تعددت التحليلات بحثًا عن النوايا وأسباب شنِّ هذه الغارة التي قتلت سليماني والمهندس ورفاقهما.

يرى "محمد مهتدي"، الباحث في معهد الدراسات الاستراتیجیة للشرق الأوسط بطهران، أن القرار "ترامبي" بامتياز بما يحيط به من رعونة وتسرع وعدم تقدير كاف للعواقب. ويعلِّل مهتدي القرار، بأن ترامب يستعد للانتخابات الرئاسية في الوقت الذي يواجه انتقادات شديدة وملاحقة برلمانية قد تفضي إلى عزله، "إضافة إلى النكسات المتتالية لإدارته في الملفات الخارجية سواء في موضوع الصين أو روسيا أو شبه جزيرة القرم وقضايا الشرق الأوسط، فربما كانت هذه العملية لجرف الرأي العام الأميركي إلى مواضيع أخرى، ويبدو أن كل رئيس أميركي يريد تجديد ولايته يقوم بشن حرب في مكان ما"(13).

يبدو هذا التفسير بعيدًا عن الواقع والحقيقة، فالرئيس ترامب -أولًا وقبل كل شيء- لا يخشى إجراءات العزل لأنه متأكد للغاية من أن مجلس الشيوخ، ذا الغالبية الجمهورية، لن يسمح بتمرير قانون العزل. لا، بل وأكثر من ذلك في العديد من المرات، طالب الرئيس ترامب بتسريع هذه الإجراءات لقناعته الراسخة بأن الجمهوريين سيصوِّتون لصالحه(14).

بینما يعتقد علي محمد نجاح، الباحث والخبير العراقي في شؤون إيران وآسيا الوسطى، أن أحد الأمور التي أزعجت أميركا تلك الانتصارات الكبيرة في ساحة إدلب ومقتل الكثير من قيادات التنظيمات الجهادية، ما يمهد لاستعادة النظام السوري لها بمساعدة إيران لينتهي الموضوع السوري لصالحها وبذلك تتمكن إيران من تحقيق هدف كبير، وهو أولًا: إنهاء الموضوع السوري لصالحها، وثانيًا: ربط العراق بسوريا وبالتالي مع لبنان، وهي مسألة في غاية الخطورة بالنسبة لأميركا وإسرائيل التي يقلقها بشدة التمدد الإيراني في المنطقة(15).

وهذا الرأي أيضًا لا يعطي تفسيرًا دقيقًا للأسباب التي دفعت الرئيس الأميركي لاغتيال قاسم سليماني واحتمالية خوض حرب مفتوحة مع إيران. وذلك لأن الرئيس الأميركي لا يُعير اهتمامًا للملف السوري إلا في حدود التوازن الذي أشرنا إليه سابقًا. ناهيك عن أن قواعد الصراع في سوريا لم تتغير ليتخذ الرئيس الأميركي قرارًا بقتل سليماني

لا يمكن استشفاف الأسباب التي دفعت الرئيس ترامب لإعطاء الأوامر بقتل سليماني دون مراجعة سياق كامل من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وذلك بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. فالرئيس، ترامب، وضع خطوطًا حمراء للإيرانيين، بأنه لا يجب استهداف مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها، لأن هذا الاستهداف سيجعل الرد العسكري حتميًّا، ولكن بعد إلغاء الإعفاءات التي كان الرئيس ترامب منحها لثماني دول تسمح لها بموجبها بشراء كمية معينة من النفط الإيراني، بدأت إيران وحلفاؤها (أذرعها) في المنطقة بالتحرك ضد مصالح الحلفاء، ووصلت إيران إلى قناعة بأن الولايات المتحدة لن تتحرك ضدها عسكريًّا إذا ما قامت باستهداف مصالح الحلفاء بل جُل ما ستقوم به هو فرض عقوبات اقتصادية أو شن هجمات سيبرانية. وعليه، جاءت التحركات الإيرانية محسوبة بعناية فهي تسعى لزعزعة أمن الحلفاء دون أن تغضب الأميركي إلى الحد الذي يدفعه إلى التدخل العسكري ضدها. وعليه، حدثت تطورات جرى توجيه الاتهام فيها إلى إيران، ومنها:

1) هجمات ضد أربع سفن في ميناء الفجيرة، 12 مايو/أيار 2019.

2) استهداف ناقلتي نفط، نرويجية ويابانية، في بحر عمان، 13 يونيو/حزيران 2019.

3) إسقاط طائرة أميركية مسيَّرة، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

4) هجمات أرامكو، 14 سبتمبر/أيلول 2019.

كل هذه الهجمات كانت في مياه الخليج، أمَّا مؤخرًا فقد تم نقل ساحة الصراع إلى العراق إثر عمليات قامت بها كتائب حزب الله العراقي ضد قاعدة جوية أميركية، وأسفر هذا الهجوم عن قتل مقاول أميركي وجرح أربعة جنود آخرين(16). بينما مرة أخرى، تم نزع فتيل الأزمة وذلك بأن قامت الولايات المتحدة بقصف خمسة مواقع لكتائب حزب الله في العراق وسوريا أسفرت عن مقتل 25 شخصًا وجرح 55 آخرين(17).

في مرحلة لاحقة، جاءت حادثة حصار السفارة الأميركية من قبل مجموعات موالية لإيران، لتدل على عدم إدراك الإيرانيين لحساسية مثل هذه الخطوة في هذا الوقت تحديدًا بالنسبة إلى الرئيس ترامب؛ فقد سارعت وسائل الإعلام الأميركية، فور ورود أنباء عن محاصرة السفارة الأميركية في بغداد ومحاولة اقتحامها، إلى استحضار سيناريو اقتحام السفارة الأميركية في طهران، وأخذ موظفيها رهائن عام 1979، وكذلك مهاجمة السفارة الأميركية في بنغازي حيث قُتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، في سبتمبر/أيلول 2012. كما جرى الربط بين الحادثتين وخسارة الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، الانتخابات الرئاسية، عام 1980، بسبب أزمة الرهائن، وكذلك خسارة هيلاري كلينتون الانتخابات الرئاسية، عام 2016؛ بعد أن جرى تحميلها إعلاميًّا المسؤولية عن ضعف الإجراءات الأمنية التي أدت إلى قتل السفير الأميركي في بنغازي(18).

كان واضحًا بحلول هذا الوقت أن موضوع تأمين السفارات الأميركية في الخارج قد تحول إلى ما يشبه الهاجس بالنسبة إلى الحكومة الأميركية عمومًا، وإلى رئيس يواجه تحديات داخلية كبيرة في سنة انتخابية حاسمة، خصوصًا. فكان القرار بتوجيه ضربة كبيرة إلى إيران، التي فشلت على ما يبدو في قراءة المشهد، بهذه الصورة. ولا يستبعد وجود اعتقاد أميركي بأن التصعيد الإيراني ضد الولايات المتحدة انتقل من مياه الخليج إلى داخل العراق، ولابد من ردع إيران قبل تزايد العمليات التي تقوم بها مباشرة أو بالوكالة في العراق، ولاسيما أن مصلحة إيران تقتضي توجيه الصراع داخل العراق من صراع الشارع المحتج ضد الحكومة إلى عناوين أخرى مثل الوجود الأميركي في العراق(19).

ثالثًا: ما بعد قتل سليماني وحتى الانتخابات الأميركية

         إن سياسة العقوبات الاقتصادية بالحد الأقصى التي يتبعها ترامب ضد إيران، لم تسهم في تقويض وإلحاق الضرر البالغ بالاقتصاد الإيراني فحسب، بل كان لها تأثير قوي على توازنات وموازين القوى في الداخل الإيراني. وهذا ما أسهم بتراجع شعبية الرئيس روحاني والإصلاحيين من خلفه إلى أدنى مستوياتها خلال السنوات الست الماضية. لا يمكن القول أبدًا: إن العقوبات الأميركية هي وحدها السبب في تراجع شعبية الرئيس روحاني ومن خلفه الإصلاحيون، لأن هذا التراجع بدأ قبل خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، 8 مايو/أيار 2018، وقد بدأ بتردي الوضع المعيشي للمواطن الإيراني، وزيادة معدلات البطالة، وانتشار الفساد والاختلاس في حكومة الرئيس روحاني بشكل كبير(20). وانتهى عدم الرضا هذا بخروج مظاهرات واحتجاجات شعبية في مدن عدة من إيران، عُرفت بمظاهرات "دي ماه 1396"، أي بتاريخ 28 ديسمبر/كانون الأول 2017، تردد شعارات لأول مرة، وهي "اصلاح‌ طلب-اصولگرا دیگه تمام ما جرا"، أي إنه لم يعد هناك فرق بين الإصلاحيين والأصوليين.

إن ما ذكرناه سابقًا كان سببًا رئيسًا لخسارة تيار الاعتدال الذي يقوده الرئيس روحاني والإصلاحيون بشكل عام للشارع المؤيد لهم وهم اليوم على أعتاب انتخابات برلمانية حتى إن النخبة الأكاديمية والمشاهير في إيران (من ممثلين وفنانين) الذين كانوا يقدمون دعاية مجانية للرئيس روحاني في انتخابات 2017، تخلوا عن هذا الدعم، ويبدو أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستُحسم لصالح الأصوليين، كما يقول صادق زيبا كلام، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران؛ حيث يصف المرحلة التي يمر بها الإصلاحيون: "بأنها أزمة عميقة لم يواجها الإصلاحيون منذ 23 يونيو/حزيران 1997، وهذه هي المرة الأولى التي يواجهون فيها مثل هذه الأزمة؛ لقد عبروا من أزمة الانتخابات الرئاسية وتظاهرات عام 2009 وفي رصيدهم شعبية كبيرة جدًّا. هناك مشكلة واحدة لم يتمكن الإصلاحيون من حلِّها وهي ثقتهم المفقودة. لا مجموعة الأمل ولا السيد روحاني ولا الأصوليون المتشددون هم المسؤولون عن هذا. السبب الرئيسي في تراجع شعبيتهم هم قادة حركة الإصلاح.

"إن قادة عملية الإصلاح بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم يتحملوا مسؤولية عملهم السياسي والاجتماعي؛ سلوكهم لا يشجع الناس على التصويت وسلوكهم تسبب في غضب الناس"(21).

أما على مستوى المظاهرات الشعبية، فقد نشهد ارتفاعًا في حدتها نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران. ويجب القول: إن الحكومة الإيرانية فشلت نسبيًّا في الحفاظ على الزخم الذي كسبته بعد اغتيال اللواء سليماني، نتيجة ما وصفته بخطأ إنساني أدى إلى إسقاط طائرة ركاب مدنية (أوكرانية) راح ضحيتها 179 شخصًا. وما زاد الطين بلة هو تكتم الحكومة الإيرانية على أسباب إسقاط الطائرة والادعاء بأن الطائرة سقطت نتيجة عطل فني وليس نتيجة لصاروخ. واستمر هذا الكتمان ثلاثة أيام متوالية مما دفع الطلاب إلى الخروج في مظاهرات مناهضة للحكومة تدعو بعض المسؤولين عن هذه الحادثة للاستقالة(22).

أما على المستوى الأميركي، ففي قراءة سريعة للرد الإيراني فإنه يبدو أن الرد يتألف من قسمين: الأول: مباشر وآني، وهو ضرب القواعد الأميركية في العراق وهو ما قامت به إيران بالفعل وحاولت في الوقت نفسه تجنب سقوط ضحايا في الجانب الأميركي تفاديًا لتصعيد آخر؛ وأما الرد الثاني فبعيد المدى واستراتيجي كرره المسؤولون الإيرانيون من المرشد الأعلى(23) إلى الرئيس الإيراني(24) وأغلب الضباط الكبار في الحرس الثوري والجيش الإيراني، وهو إخراج القوات الأميركية من العراق كخطوة أولى ومن ثم إخراجهم من المنطقة كخطوة ثانية. ما يدلِّل على هذا هو ما جاء به المرشد بأن هذا الرد هو صفعة للولايات المتحدة ولكنها ليست كافية. فيما يبدو فهو كأنه قد ترك الباب مفتوحًا على ردود مستقبلية ستقوم بها إيران بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق أذرعها.

إيران في الوهلة الأولى ليست معنية بالتصعيد وهو نهج اتبعته مباشرة بعد الضربة ففي زخم التهديدات التي أطلقها العسكريون الإيرانيون أرسلت وزارة الخارجية الإيرانية رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بأن إيران غير معنية بالتصعيد ولا تبحث عن حرب(25) فضلًا عن تغريدة لوزير الخارجية، جواد ظريف، ذكر فيها أن إيران ردَّت ردًّا متناسبًا مع عملية الاغتيال ولا تسعى للتصعيد ولكنها حاضرة وبقوة للدفاع عن أراضيها في حال التعدي عليها(26).

ولا يبدو أن الأطراف الثالثة قد يئست من الوساطة بين الطرفين، واليوم تلوح في الأفق وساطة جديدة قد يحملها أمير قطر إلى إيران(27). برأينا، مشكلة هذه الوساطات أنها لا تحصل على تفويض مناسب من الطرفين للشروع بمحادثات؛ فالطرف الأميركي مصرٌّ على بقاء العقوبات الأميركية بحدها الأقصى ضد طهران لحين عودة طهران إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جديد يشمل كل المسائل الخلافية بين الطرفين؛ والطرف الإيراني مصرٌّ كذلك على عدم الجلوس إلى طاولة المفاوضات إلا إذا تم رفع جميع العقوبات. وفي ظل تعنت الطرفين يبدو أن قواعد اللعبة ستعود من جديد، فالأميركي سيستمر بفرض العقوبات بحدها الأقصى ولن يتدخل مباشرة إلا إذا تعرضت مصالحه للخطر بشكل مباشر، والإيراني سيستمر بالمقاومة باقتصاد منهك للوصول إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

خلاصات ونتائج

بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الولايات المتحدة على استراتيجية طويلة المدى تُعرف باسم "التوازن من خلف البحار"، استمر العمل بهذه الاستراتيجية حتى مع وجود شبح الاتحاد السوفيتي نظرًا لغياب "المهيمِن" الذي يمكن أن يُقصي الولايات المتحدة من بعض المناطق أو يمنعها من الاستثمار في مناطق أخرى.

لا يمكن إنكار أن هذه الاستراتيجية تم كسرها لصالح نظرية واستراتيجية أخرى هي "الهيمنة الليبرالية"، التي رأت في الولايات المتحدة قوة ضاربة تستطيع الاستغناء عن التوازن، وبالتالي تكون مطالبة بالتدخل والانخراط في الصراعات بشكل مباشر.

يُجادل منظِّرو السياسات الخارجية والعلاقات الدولية، وأبرزهم "جون ميرشايمر" وستيفن والت (John Mearsheimer and Stephen Walt)، بأن الولايات المتحدة خسرت الكثير عند تخليها عن استراتيجية "التوازن" ولعل أبرز المحطات التي تخلت فيها الولايات المتحدة عن هذه الاستراتيجية تجلَّى بانخراط الولايات المتحدة في حرب لا متناهية، مهلكة في فيتنام والعراق وأفغانستان وانسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.

تتمحور نظرية "التوازن" على ركائز مهمة، وهي أن الولايات المتحدة يجب أن تهتم بمناطق معينة دون أخرى: مثل أوروبا، وشمال شرق آسيا، ومنطقة الخليج. وأما وظيفة الحلفاء المحليين فهي منع أية دولة من القيام بالسيطرة على تلك المناطق ومنع وقوع ما يسمى "الهيمنة الفردية"، مقابل حصول الحلفاء على دعم سياسي ولوجيستي. لا تمنع هذه النظرية الولايات المتحدة من التدخل المباشر في بعض الأوقات؛ إلا أنها تَقصر هذا التدخل على الحالات التي يعجز فيها الحلفاء عن تحقيق توازن، ويؤكدون على أن هذا التدخل يجب أن يكون محدودًا وسريعًا.

مع انسحاب الرئيس، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي؛ اختل التوازن الحاصل في منطقة الخليج المهمة للغاية من الناحية الجغرافية والثروات الطبيعية؛ وهو ما فتح المجال لدولة أحادية مثل إيران لديها بُعد جيوسياسي وحيوي لمحاولة فرض الهيمنة على منطقة الخليج، والإخلال بموازين القوى.

وضع الرئيس الأميركي بعد انسحابه من الاتفاق خطوطًا حمراء (عدم استهداف المصالح الأميركية أو الجنود الأميركيين) ما إن تخطتها إيران "بمحاصرة السفارة الأميركية في العراق"، إلا ووجد الرئيس نفسه مدفوعًا بالتدخل بشكل مباشر وأصدر أمرًا بقتل اللواء قاسم سليماني، مهندس النفوذ الإيراني في الخارج. لم تكن لهذه العملية من تداعيات خطرة على استقرار المنطقة وذلك لأن الرد الإيراني جاء مقتصرًا على الماديات ولم يمس أراوح الجنود الأميركيين بخطر.

إن العقوبات الاقتصادية بحدها الأقصى التي فرضها الرئيس، دونالد ترامب، على إيران، كان لها دور مهم في فقدان التيار الإصلاحي المتحالف مع تيار الاعتدال -الذي يمثله حسن روحاني- لشعبيته، التي اكتسبها بترويجه الانفتاح على الغرب والانخراط في مفاوضات أدت إلى توقيع الاتفاق النووي، إلى الحد الذي تَنَكَّر فيه الرئيس روحاني لوعوده الانتخابية بازدهار اقتصادي وإطلاق الحريات العامة وغيرها من الوعود التي لم تتحقق. ولكن من جهة أخرى، لا يمكن إلقاء اللوم بأكمله على العقوبات الاقتصادية الأميركية بل ترجع بعض هذه الأسباب في خطوطها العريضة إلى التكاسل في مكافحة الفساد أو الانخراط فيه، وإطلاق يد التيارات الأصولية وعدم السعي لتعزيز الحريات العامة التي تعد جزءًا من المطالب التي يمكن منحها لفئات الشعب الغاضبة.

لا يُتصور أن تتغير الأوضاع الحالية بعد مقتل سليماني وإلى الانتخابات الأميركية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وذلك لعودة الطرفين كل منهما لمعسكره وتمترسه خلف شروط لا يرضى التنازل عنها ولا يمنح الوسطاء مجالًا للمناورة لتقريب وجهات النظر وجمع الطرفين على طاولة حوار مرة أخرى.

نشرة دورية تصدر عن معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية تتضمن أبرز ما أنتجه المفكرون ومراكز الأبحاث الدولية

 

Top