• الايميل: info@pal-studies.ps
  • رقم الجوال: 0592888592--0592080932

العلاقات المصرية التركية ومستقبل التوتر الدبلوماسي

Blog single photo
تتصاعد المواقف السياسية الراهنة بين مصر وتركيا في ضوء التوتر القديم والجديد بين البلدين، لتصل درجة التوتر إلى طرد السفير التركي من القاهرة وخفض التمثيل الدبلوماسي التركي في مصر، واستدعاء السفير المصري من تركيا، ويعتبر ذلك التصعيد السياسي والدبلوماسي من ناحية مصر تجاه تركيا التي غيرت سياستها كليا كرد على الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 30 يونيو وعلى الشرعية المنتخبة بشكل ديمقراطي.
 إن أبرز تغيرات ملامح السياسة التركية مع الإدارة المصرية الانقلابية هو ما صرح به رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمام البرلمان التركي حيث قال "لن نتوقف عن قول الحق والوقوف بجانب الشعب المصري لمجرد أن الحكومة التي جاءت عن طريق الانقلاب في مصر منزعجة"
وأضاف "لن نكون شيطانًا أخرس وسنواصل في إبلاغ العالم عن حكومة الانقلاب وعن المأساة الإنسانية التي تتكشف في مصر، وقد انتقد عزل الجيش لأول رئيس منتخب في تاريخ مصر واعتبر ما جرى انقلابا عسكريا واضحاً ".
تصريحات أردوغان منذ خمس شهور على الانقلاب العسكري بمصر جعلت مصر في وضع حرج من خلال اعتبار حكومة الانقلاب المصرية تصريحات أردوغان بمثابة تشهير بمصر وبالحكم العسكري الانقلابي على الصعيد الدولي.  
وفي ظل العلاقات المصرية التركية التي تشهد أزمة سياسية دبلوماسية، معهد فلسطين للدراسات الإستراتيجية ناقش أزمة العلاقات بين البلدين من خلال إجراء حوار خاص مع الدكتور مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية، ومع  الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني ، حيث كانت محاور الحوار تتمثل في وصف العلاقات المصرية التركية، وتصريحات الخارجية المصرية بمزيد من الخطوات تجاه تركيا، والأسباب التي دفعت الإدارة المصرية الحالية لطرد السفير التركي، وحول إمكانية قيام القاهرة بخطوات مماثلة مع دولة أخرى، وماهي قنوات ووسائل الرد التركية.

العلاقة المصرية التركية
عند الحديث عن العلاقة بين مصر وتركيا يجب أن نعرج على تاريخ العلاقة بينهما كي نقيم ما حصل من تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين وصولاً لمستقبل العلاقات بينهما.
إن العلاقة التركية المصرية قد مرت في مراحل عدة عبر تاريخ البلدين، بين النمو والتحسن وبين الانحصار والتراجع وتعتبر علاقات غير مستقرة ومتقلبة، ولا تحكمها فقط المصالح وإنما هناك قيم ومبادئ وتقاطعات أيديولوجية تحكم السياسة الخارجية التركية.
  فحادثة طرد السفير التركي من مصر لم تكن الحادثة الأولى، فقد شهد يوم الرابع من يناير 1954م قراراً مماثلاً يقضي بطرد السفير التركي فؤاد طوغاي من القاهرة بسبب حملاته المستمرة على قيادة ثورة 23 يوليو، وكان على سدة حكم تركيا في تلك الحقبة التاريخية رئيس الحزب الديمقراطي " عدنان مندريس " وهو أول رئيس وزراء منتخب في تركيا.
بينما شهدت العلاقات بين أنقرة والقاهرة تحسناً ملحوظاً في حقبة السبعينات وتحديداً في ضوء القرار التركي بمنع الطيران الإسرائيلي باستخدام قواعده كنقطة انطلاق في حرب تشرين1973م، وتدخلت القاهرة في تسعينيات القرن الماضي كوسيط لمنع اندلاع حرب كادت أن تندلع بين تركيا وسوريا نتيجة الصراع المتصاعد بين البلدين حول المياه ومشكلة الأكراد.
وفي العام 2006م شهدت العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر تحسناً ملحوظاً حيث تم تخصيص مليوني متر مربع كمنطقة صناعية تركية في مدينة السادس من أكتوبر للإسهام في زيادة حجم الاستثمارات بينهما.
ومع اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير2011م أعلن رئيس الوزراء التركي موقفه الداعي للإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، وهذا زاد من توتر العلاقة بين البلدين، ولكن مع نجاح ثورة 25 يناير تحولت العلاقات المتوترة إلى علاقات جيدة بين الدولتين حيث شهدت مرحلة حكم المجلس العسكري زيارة تاريخية لرئيس الوزراء التركي أردوغان للقاهرة ولقاؤه بالمشير طنطاوي وتوقيعها لعدة اتفاقيات ثنائية، ومع وصول الرئيس المعزول محمد مرسي لسدة الحكم بعد انتخابات شفافة ونزيهة تطورت العلاقات التركية المصرية بمنحى إيجابي، وشهدت تلك المرحلة تعاونا إستراتيجيا واقتصاديا وتنمويا وعسكريا تمثل في إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين الجيشين التركي والمصري، إلا أن حراك 30 يونيو وما تبعه من خطوات لعزل الرئيس محمد مرسي عن سدة الحكم أدى إلى توتر العلاقات بينهما بعد وصف تركيا هذه الخطوات التي تبعت 30 يونيو بأنها انقلاب على الديمقراطية وعلى القيم والمبادئ التي تؤمن بها تركيا، وتوترت العلاقات بينهما حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من اتخاذ الحكومة المصرية لقرارها المؤرخ في الثالث والعشرين من نوفمبر 2013 ويقضي بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع تركيا من مستوى السفير إلى مستوى القائم بالأعمال، واستدعاء السفير التركي في مصر إلى مقر وزارة الخارجية وإبلاغه باعتباره "شخصاً غير مرغوب فيه" ومطالبته بمغادرة البلاد.
  خطوات أخرى وحسابات الربح والخسارة   
تصريحات وزارة الخارجية المصري وعلى لسان الوزير نبيل فهمي بين أن خطوة طرد السفير التركي ليست الأولى وقد تتخدد مصر قرارات بوقف الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع تركيا وتنشيط التحالفات مع الدول المجاورة لتركيا، التي من شأنها فرض مزيد من الضغط على الحكومة التركية، فضلاً عن إمكانية قطع العلاقات بصورة تامة وإغلاق السفارة المصرية في أنقرة، إذا ما استمرت تركيا بدعم الإرهاب في مصر والتدخل في الشؤون الداخلية للقاهرة.
المحلل السياسي حسام الدجنى أرجع قطع العلاقات بين البلدين من خلال محددات رئيسية هي حسابات الربح والخسارة وتمثلت في:
أولاً: تعتبر خطوة مصر الأخيرة وهي طرد السفير التركي، عبارة عن رسالة لكل الأطراف الإقليمية والدولية بأن مصر ماضية في خارطة المستقبل، وأن أي تدخل في شؤونها سيقابل بقطع العلاقات معها، وتستند مصر في هذا الإطار على مكانتها الجيوإستراتيجية ودورها المحوري في المنطقة.
ثانياً: رسالة قوة من النظام السياسي الذي يحكم مصر للرأي العام المصري وأحزابه السياسية بأن التعويل على العامل الخارجي لحسم الخلافات الداخلية لن يمر بسهولة وأن مصر تستطيع أن تتعامل بحزم مع أي خطوة مثيلة.
ثالثاً: تهدف الخطوة المصرية لإفشال إستراتيجية السياسة الخارجية التركية التي تقوم على صفر مشاكل، وبذلك تدعم مصر بهذه الخطوة بشكل غير مباشر مواقف المعارضة التركية وتحديداً حزب الشعب التركي.   
رابعاً: تعطل الخطوة المصرية طموحات تركيا بأن تلعب دورا اقليميا في كل الملفات العربية والإسلامية.
حسابات الخسارة المصرية نتيجة قطع العلاقات بين البلدين تتمثل فيما يلي:
أولاً: قد تدفع تركيا للعمل بكل طاقاتها لعزل النظام الحاكم في مصر، وقد تدفع تلك الخطوة إلى دعم تركيا     لسيناريو حكومة منفى مصرية التي بدأ الحديث عنها داخل الأوساط الإعلامية والسياسية.
ثانياً: قد توقف تركيا لاستثماراتها داخل مصر وهذا سينعكس سلباً على الاقتصاد المصري.
ثالثاً: مصر بحاجة لكل بلد عربي وإسلامي، وتركيا دولة هامة في المنطقة من الناحية السياسية والجيوإستراتيجية والاقتصادية وقطع العلاقات معها سيضعف مصر سياسياً واقتصادياً.
رابعاً: الخطوة المصرية ستخلط الأوراق في المنطقة وقد تدفع المنطقة لتحالفات وتكتلات جديدة.  
دوافع مصر وقيامها بطرد السفير
أكد الدكتور مخيمر أبو سعدة أن السبب الرئيسي والدافع الرئيسي لقيام مصر بطرد السفير التركي بسبب إقصاء الرئيس محمد مرسي وتأييد تركيا للإخوان المسلمين، والتعاطف معهم على المستوى الإعلامي والسياسي والرسمي أيضا ً، وفي العادة تلجأ الدول لمثل خطوة سحب السفير أو طرد السفير للتعبير عن سياسة الاحتجاج عن سياسة الدولة الأخرى أو الدولة المعنية وما قامت به مصر يعبر عن رسالة احتجاج على سياسة تركيا.
 وأوضح أبو سعده أن مصر تهدف من هذه الخطوة إلى الضغط على تركيا لتصحيح مسار العلاقة وتغيير النهج والسياسة التركية تجاه مصر، والذي تعتبره مصر نهج وسياسة معادية لها وأحداث التغيير.
وبين المحلل الدجني أن هناك عدة دوافع أدت بالإدارة المصرية للقيام بهذا الأمر منها احتضان تركيا لمؤتمرات واجتماعات خاصة بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين  ورفض تركيا اعتبار أن ما حدث يوم 30 يونيو و3 يوليو بأنهما ثورة شعب أطاح بدكتاتور، وأن تركيا تعتبرهما انقلاباً على رئيس جاء بانتخابات ديمقراطية نزيهة عبرت عن إرادة الشعب المصري، وبسبب رفع أردوغان إشارة رابعة التي تعبر عن الظلم والتي أصبحت كابوساً يؤرق النظام الحاكم بمصر بالإضافة إلى ذلك انطلاق مجموعة من الحقوقيين والمحاميين وخبراء القانون الدولي من الأرض التركية لرفع دعاوي قضائية لمحاكمة مسئولي الجيش في مصر على ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.

  خطوة مماثلة مع دولة أخرى كقطر  
استبعد الدكتور أبو سعدة قيام مصر بخطوة مماثلة كخطوة طرد السفير التركي مع قطر على الرغم من عدم رضا قطر عن السياسية المصرية والإدارة المصرية الحالية.
وأوضح أن قطر تعتبر من الدول الداعمة لحركة الإخوان المسلمين عالمياً وقد دعمت ثورة 25 يناير، وقد دعمت خزينة مصر في عهد الرئيس محمد مرسي بالمليارات الدولارات، للتغلب على الأزمات الاقتصادية التي واجهت مصر آنذاك، لكن من الواضح أن بعد مجئ  الأمير تميم  بن خليفة بعد أن تنحى الأمير خليفة بن حمد أصبح هناك تحول في الموقف القطري وتغيير في السياسية القطرية من خلال اتباع سياسة عدم الزج بنفسها في المشاكل الدولية والعربية، وأصبحت تسعى قطر الي أتباع سياسية خارجية هادئة مع كل دول الإقليم وأن تتبنى سياسة المهادنة والتوازن في العلاقات مع الدول العربية
من جانبه اعتقد المحلل الدجني أن مصر ستقيم قرارها مع تركيا وفي ضوء استخلاص العبر سيكون هو المحدد لخطوة مثيلة تجاه قطر.
قنوات ووسائل الرد التركية
     أكد كل من المحلل حسام الدجني والدكتور محمد أبو سعدة أن قنوات ووسائل الرد التركية لن تخرج عن أحد الخيارين:
الأول: خيار التهدئة مع مصر وإعادة المياه لمجاريها وأن تدخل قنوات دبلوماسية أخرى لرأب الصدع، وأن تلعب تركيا دوراً في تعزيز الحل السياسي بمصر بما يضمن استقرار مصر وأمنها.
الثاني: خيار التصعيد مع مصر وهذا يتم عبر الاستمرار بما هو عليه الآن وزيادة الخطوات السياسية والإعلامية والقانونية والاقتصادية تجاه مصر.
 


معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية
مؤسسة إبداع للأبحاث والدراسات والتدريب
غزة - فلسطين

Top