كتاب التنسيق الامني 2015
القائمة البريدية
اشترك في النشرة البريدية لتتلقى أحدث الأخبار

هندسة التفكيك والاحتواء

السياسة هي عبارة عن مجموعة من المقاربات والمسارات التي  يتم صياغتها بشكل دقيق, وفق المعطيات وحساب التوازنات السائدة. ورسم السياسة عملية مضبوطة بالإمكانات وامتلاك الأدوات التي تسير عادة في بيئة متغيرة ومتشابكة ومعقدة. وأكثر من يهتم بهذه القواعد والأصول هي الدول المتقدمة وذات التجربة العريقة في الممارسة السياسية, لذلك فهي لا تتوقف عن ابتكار النظريات السياسية التفسيرية والتحويلية, التي  تعكس تطور التفكير, والمواكبة الدائمة للمتغيرات. ومن مهام السياسة التعاطي مع المعضلات والأزمات بالتفكيك والاحتواء, من خلال عملية هندسية تبدأ بالتشخيص وتنتهي بالعلاج مروراً بالتحليل العميق للبيئة, ورصد حركة المتغيرات والقوى وأوزانها واتجاهاتها, والترجيح بين البدائل والخيارات المتاحة. 

ولا شك أن العملية السياسية لا تعمل في الفراغ, فهي متأثرة أو خاضعة للمعطيات الموضوعية, ولمجموعة العوامل التي تفرضها البيئة السياسية, بعيداً عن الحدية والجمود والأحكام المطلقة, وهي تعمل عادةً في المنطقة الرمادية ضمن دائرة الممكن والمتاح, وفق منهجية تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر.

تفكيك الأزمات واحتوائها يتطلب درجات عالية من المرونة والمناورة, والدهاء السياسي, والتفكير غير النمطي, وتوظيف مختلف الأدوات والأوراق المتاحة سيما في إطار القوة الناعمة, وإعمال فقه الموازنات, وقاعدة سد الذرائع, وعدم الخضوع للمعادلة الصفرية. بلورة ذلك كله يتم من خلال صياغة منظومة احترافية, ينخرط فيها أكبر عدد ممكن من الخبراء وأصحاب الرأي, والدوائر المختصة في عملية التفكير, وصولاً إلى مأسسة كاملة لعملية اتخاذ القرار. والأهم في هذه العملية التحرر بالقدر الكافي من قيود الأيديولوجيا ومن المواقف والتصورات المسبقة, ومن الفانتازيا المضللة, والاعتماد على مخرجات التفكير النابعة من معطيات الواقع, وفق منطق السياسة وليس المقامرة. وفي هذا الصدد لا ينبغي التصلب في المواقف بدواعي الدين والفكر؛ بالقدر الذي قد يضر بالجماعة ويزعزع أركانها, في حين أن الدين يتسم بقدر كبير من المرونة لمقابلة متغيرات المكان والزمان والحال, وفق قواعد المصالح المرسلة التي تخضع لها معظم مواقف السياسة.

هندسة التفكيك والاحتواء تعتمد بشكل كبير على طريقة التفكير ومنهجيته, قبل الاعتماد على الوسائل والأدوات المتاحة. فلا بد أن يواكب متغيرات الواقع تغير في طبائع التفكير, والبعد عن التقليدية والرتابة, بما يتلاءم مع تطورات العلم وتعاظم التحديات, وبما يُحقق تشتيت الخصوم وحرمانهم من توقع تصرفاتك. بالإضافة إلى ضرورة إدراك طريقة تفكير معسكر الخصوم, ومنهجية عملهم, والمؤثرات الحاكمة لسلوكهم السياسي.


التعليقات