كتاب التنسيق الامني 2015
القائمة البريدية
اشترك في النشرة البريدية لتتلقى أحدث الأخبار

الندوة السياسية المنطقة العازلة في سيناء التداعيات والاثار

لقد شكلت سيناء على مختلف الأزمنة الماضية هاجساً أمنياً عميقاً لمصر، زادت وتيرته مع تجاهل تنمية شبة الجزيرة، وتكريس المنطق الأمني في التعامل مع أهلها، وتصاعد القلق في السنوات الأخيرة إثر تزايد الجماعات الموجودة في سيناء من هجماتها التي تتحصن بجبل الحلال وأوساط السكان بالقرب من الحدود مع قطاع غزة وكان آخر هذه الهجمات ما أعلنت عنها وسائل الإعلام المصرية وتناقلتها وسائل الإعلام الأخرى حول هجوم انتحاري استهدف حاجزاً للجيش وأودى بحياة ثلاثين جندياً، وهو الأكثر دموية ضد قوات الأمن منذ أعوام عدة. وتم إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر في بعض مناطق من سيناء مع حظر للتجول مع إقامة منطقة عازلة بين قطاع غزة وسيناء، وبناء على ذلك عقد معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية ندوة سياسية بعنوان " المنطقة العازلة في سيناء التداعيات والآثار" للوقوق على ثلاثة محاور وهي:
المحور الأول: المناطق العازلة من منظور جيو سياسي.
المحور الثاني: أثار إقامة المنطقة العازلة في سيناء على قطاع غزة.                  
المحور الثالث: التداعيات السياسية والأمنية لإقامة المنطقة العازلة في سيناء.  
وقد خرجت الندوة بالشكل التالي: -
المعلومات الرسمية المصرية عن المنطقة العازلة
عندما نعرف المنطقة العازلة فإنه لا يوجد تعريف دقيق للمنطقة العسكرية العازلة إلا أنها تلتقي عند نقطة اعتبارها " مساحة من الأرض معزولة عن جوارها عسكرياً من البر والبحر والجو".
أما قانونياً فهي اتفاق بين بلدين على إقامة حدود عازلة من أجل حفظ الأمن على الحدود ومنع تسلل الإرهابيين، ومنع التهريب، وغيرها من الأمور الأمنية الحدودية. ومن الضروري أن يتوفر حظر جوي لحماية المنطقة العازلة.
المنطقة العازلة التي اعتمدتها القيادة المصرية تم التخطيط لها لتصل إلى 30 كم على ان يتم العمل بها على مراحل لتبدأ 50متراً ليجري زيادتها إلى 200م ثم إلى 400م ثم إلى 500م ثم إلى 1000م ثم إلى 2000م ثم إلى 4000م وأخيراً 5000م لتصل إلى 30كم حتى شرق العريش.

بدايات بزوغ فكرة المنطقة العازلة
يشير محللون كبار إلى البصمة الإسرائيلية الواضحة من خلف البيان الدراماتيكي للرئيس المصري عن فصل وعزل شمال سيناء (مليون ونصف من سكان سيناء) عن سكان قطاع غزة حتى إشعار آخر، وذلك من خلال إقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع القطاع وأن تكون الحجة المعلنة مصرياً هي مكافحة الأنفاق ومنع الإرهاب، وجوهر المشكلة هو حماية أمن "إسرائيل"، وحرمان المقاومة من السلاح المحتمل قدومه من إيران أو ليبيا إلى المقاومة، عبر سيناء.
عرضت "إسرائيل" على حسني مبارك عام 2004 م إقامة منطقة عازلة وحفر قناة وكذلك تمويلها أيضاً، فرفض مبارك لأن تداعيات المشروع خطيرة على نظامه، ولأنها تضع النظام في مواجهة مع سكان سيناء. ومن ثم استبدل مبارك المنطقة العازلة بالحواجز الحديدية (سور فولاذي تحت أرضي). ما رفضه مبارك لتداعيات على حكمه، ينفذه النظام المصري الآن لصالح "إسرائيل"، دون النظر في التداعيات، وينفذه بقسوة، ضد سكان سيناء، وضد غزة معاً.
يعتبر البعض أن إنشاء هذه المنطقة العازلة هي معركة بقاء السيسي الجديدة – القديمة. فقد أصدر الرئيس المصري أوامره بحملة إخلاء من شمال سيناء لــما يزيد على (10) آلاف مواطن مصري عبر أوامر (إخلاء – تعويض)، طالت (800) منزل سكني عاشت فيها (1165) أسرة. وقد تلقوا الوعود بإن تقام لهم (3) قرى زراعية في عمق سيناء، وان تتلقى كل عائلة (300) جنيه مصري، ما يعادل (250) شيكل لاستئجار شقة في الأشهر الثلاثة القريبة القادمة، و(10,200) جنيه مصري آخر بمعدل (10) شيكل لقاء كل متر مربع من المباني التي تم تفجيرها لصالح قناة المياه وجدار الفصل. "كل من حاول أن يلتصق بالأرض بالقوة تلقى تهديداً لا لبس فيه بأنه سيُلقى به، بلا تعويض، إلى السجن".
دلائل تزيل التهم عن غزة
إن الرأي العام المصري تعامل مع القرارات التي اتخذت لتطهير سيناء من الإرهابيين والإحالات التي تضمنتها باعتبارها مسلمات مستقرة لا سبيل إلى مناقشتها أو مراجعتها. إلا أن البيانات والتقارير التي صدرت من خارج مصر فتحت الباب لمراجعة الأسباب والتداعيات، وسنستعرض شهادتين بهذا الصدد، إحداها من قطاع غزة، والثانية من (إسرائيل).
الأولى: منذ أعلن رسمياً في مصر أن عملية الشيخ زويد الإرهابية نفذت بدعم خارجي فإن الأنظار اتجهت مباشرة إلى قطاع غزة، ثم إلى حركة حماس المصنفة مصرياً ضمن القائمة السوداء بسبب ارتباطها التاريخي بحركة الإخوان المسلمين. ورغم ان الاتهام لم يوجه إلى حماس بصورة رسمية، إلا أن وسائل الإعلام استُخْدِمت لتثبيت تلك التهمة. وانتهى الأمر ليس فقط بتعميم الاتهام وإنما أيضاً بنشر أسماء لأشخاص ذكرت المصادر السيادية أنهم ضالعون في الجريمة.
إزاء ذلك أصدرت وزارة الداخلية في القطاع بياناً في (31/10/2014) فَنّدَ تلك القائمة على النحو التالي: ستة أشخاص من الذين وردت أسماؤهم في القائمة لا وجود لهم إطلاقاً في السجل المدني الفلسطيني ــ إلى جانب ذلك، أسماء خمسة أشخاص يعيشون في الضفة الغربية وبينهم طفل عمره (15) عاماً اسمه عطا الله القرم. وهؤلاء لم يثبت أنهم دخلوا إلى غزة في أي وقت ــ كما تضمنت القائمة أسماء اثنين من قياديي كتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة حماس، هما محمد أبو شمالة ورائد العطار، واللذين استشهدا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في يوليو 2014 أي قبل نحو أربعة أشهر من العملية الإرهابية.
وهنا يجب أن يثير انتباهنا أن الأمر لم يخضع للتحقيق والتحري من جانب السلطات الأمنية المصرية، إذ إنه في ظل حكومة الوفاق التي خرجت منها حماس فلست أظن أن الرئيس عباس يمكن أن يمانع في استقبال لجنة تحقيق مصرية تتوجه إلى الضفة وغزة للتحري عن أولئك الأشخاص وتتبع خيوط العملية. والجدير ذكره أيضاً، أن الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس أعلن أكثر من مرة استعداد الحركة للتعاون مع السلطات المصرية في التحقيقات التي تجرى بخصوص العمليات الإرهابية التي تشهدها سيناء، بما في ذلك العملية الأخيرة التي وقعت في 24 أكتوبر 2014م.
الثانية: ورد في موقع صحيفة يديعوت أحرونوت يوم (30/10/2014)، معلومات مهمة ومثيرة مصدرها هو كبير المعلقين العسكريين بالصحيفة رون بن يشاى المعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد ذكر ما يلي:
1.    إن النظام المصري يبالغ في ادعائه بأن عناصر من غزة لها علاقة بالهجمات التي استهدفت الجنود المصريين مؤخراً. والأوساط الأمنية الإسرائيلية تقدر عدد عناصر (أنصار بيت المقدس) بما لا يتجاوز (2000) شخص. وهي في ذلك تشدد على أنهم جميعاً من الشبان المصريين.
2.    إن جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" يتوليان مهمة جمع المعلومات الاستخبارية عن تحركات "الجهاديين" في سيناء. وهذه المعلومات تنقل إلى الجانب المصري الذي يستفيد منها في حربه الفعلية ضد تلك الجماعات. وفى بعض الأحيان لا يتردد الجيش الإسرائيلي في العمل بنفسه داخل سيناء، سيما حين يتعلق الأمر بإحباط عمليات تخطط لها الجماعات الجهادية، أو عندما يتم الرد على عمليات إطلاق النار.
3.    إن (إسرائيل) تقدر الخطوات التي يقوم بها الجيش المصري في شمال سيناء، لا سيما تدمير المنازل المقامة بالقرب من الشريط الحدودي مع قطاع غزة.
4.    إن الحرب التي تشنها السلطات المصرية ضد تنظيم (أنصار بيت المقدس) تخدم إسرائيل بشكل كبير، لأن ذلك التنظيم يمثل تهديداً لأمن إسرائيل في المدى البعيد، رغم اشتباكه في الوقت الراهن مع الجيش المصري.
5.    إن (إسرائيل) تساعد مصر في الحرب ضد الجماعات الإسلامية من زاوية أخرى إضافية، ذلك أنها تسمح للجانب المصري بالاحتفاظ بقوات كبيرة في سيناء، أكبر بكثير مما يسمح به الملحق الأمني في اتفاقية "كامب ديفيد".
لا ندعو إلى التسليم بهذه المعلومات، لكننا نزعم أنها تساعدنا على التفكير مرة أخرى في مسلمات المشهد الذي انتهى بقرار إخلاء (14) كيلو متراً من السكان والعمران، وهي المنطقة المجاورة لقطاع غزة، باعتبارها منطقة خطرة. أما الشريط الحدودي مع إسرائيل الذي يمتد بطول (184) كيلو متراً فقد اعتبر منطقة مؤمنة وآمنة ولا قلق منها.
نخشى أن نكتشف في النهاية أن ما قام به الجيش والأمن المصري لم يستأصل الإرهاب كما هو متوقع، بل قدم خدمة لتعزيز الأمن الإقليمي بأكثر مما حقق من أهداف تصب في الأمن القومي المصري. يقيناً تدرك جيداً قيادات المؤسسة الأمنية المصرية على اختلاف أجهزتهم أن حركة حماس وسكان القطاع ليس لهم أدنى مصلحة فيما يحدث في سيناء من فوضى وإرهاب، بل إنهم أول المتضررين. ويعتبرون أن أي عمل إرهابي في سيناء هدفه الأساسي إلحاق الضرر بالقطاع، وإساءة علاقتهم بمصر.
إن المستفيد الأول والوحيد من المنطقة العازلة ليس الأمن المصري في سيناء، ولا المواطن السيناوي، بل (إسرائيل). وإن من سيدفع الثمن أولاً هم سكان رفح المصرية، وسكان القطاع والاستقرار الأمني في سيناء ثانياً، لأن المال والجهد الأمني يوجه في غير وجهته الحقيقية.
في (إسرائيل) يتحدثون عن تطابق رؤى بين "إسرائيل" ودول في الجزيرة العربية، في موضوع إيران، وموضوع تنظيم الدولة الإسلامية، وموضوع الإخوان، وموضوع حماس. وقد ملأت هذه التصريحات الآفاق، ولكن الدول المشار إليها لاذت بالصمت، دون نفي أو تعليق، مع أن خطورة الأمر توجب البيان، أو النفي.


خطورة المنطقة العازلة وتداعياتها على القطاع
للوقوف على تداعيات وآثار المنطقة العازلة وانعكاساتها على القضية الفلسطينية والمواطنين في قطاع غزة، من الضرورة رصد التداعيات التالية:
1.    الإضرار ببرنامج المقاومة الفلسطينية للتسلح أو تطوير تقنية أسلحتها من ناحية المدى ودقة التصويب.
2.    إغلاق منطقة سيناء كعمق إستراتيجي جغرافي للمقاومة يساعد المقاومة في إدارة شئونها حتى ولو بالحد الأدنى.
3.    تضييق الخناق على قطاع غزة خصوصاً في ظل عدم الاستجابة لبرنامج إعادة الإعمار، مما قد يؤدي إلى تأجيله لمدة طويلة، أو حتى إيقافه لما لذلك من أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وشعبية.
4.    تعميق الآثار الضارة للمشاكل المتراكمة منذ بداية الحصار في قطاع غزة منذ منتصف يوليو 2006 وهي مشاكل على الأغلب غير قابلة للحل نظرا لتعنت الجانب الإسرائيلي وإصراره على مفاقمتها (الكهرباء، الوقود، والحصار ومنع أو تعطيل دخول مواد الإعمار).
5.    تقويض الجهود المبذولة لرسم وتحديد معالم العلاقة بين حماس ومصر التي أخذت في الانفراج قليلاً بعد مفاوضات التهدئة في سياق الوفد الموحد.
6.    المشاغلة والإرباك من خلال تصعيد نغمة معاقبة غزة وحماس مادياً وعسكرياً من قبل بعض العسكريين المصريين وكذلك بعض الإعلاميين الذين رفعوا من وتيرة الهجوم على غزة وحماس تحديداً.
7.    تعزيز جدوى الشروع في سيناريو اجتياح إسرائيلي لقطاع غزة بالكامل على غرار ما حدث في لبنان عام 1982م، لاجتثاث ما تبقى من قوة حماس وإخراجها من معادلة ميزان القوى المحلي.
8.    تأجيل المفاوضات غير المباشرة بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي في القاهرة وإبداء مصر الرغبة في عدم استقبال وفد من حركة حماس.
9.    إعاقة وتعطيل اللقاءات الخاصة باستكمال التفاهمات حول المصالحة لعدم جهوزية الراعي والمكان.
10.    إغلاق معبر رفح والإضرار بحركة وتنقلات المواطنين الغزيين الخارجية، مما يعمق الحصار ولا يساعد في القضاء عليه وإنهائه، ويربك الحياة في غزة ويعمق من مشاكل حماس الشعبية والجماهيرية.
غزة الحل لا المشكلة
بعد كل خطوة تقوم بها السلطات المصرية تجاه الشريط الحدودي مع غزة تطلق العنان للمؤسسة الإعلامية لتكيل الاتهامات لقطاع غزة بوصفه منطقة إرهاب وتطرف وتعمد السلطات المصرية إلى تشويه المقاومة بل وفبركة التقارير الإعلامية التي تتهم قياداتها بأنها خلف الهجمات ضد الجيش المصري بعضها يكون قد استشهد وبعضها في المعتقلات الإسرائيلية منذ سنوات لكن الواقع يشير لغير ذلك فغزة لطاما كانت خط الدفاع الأول عن سيناء ومصر ولم تكن يوماً تشكل خطراً على مصر.
مستقبل العملية الأمنية
لن تشكل العملية الأمنية في سيناء رافعة للأمن القومي المصري بل على العكس ستزيده خطورة وستستفيد إسرائيل بشكل كبير من نتائج العملية وهي التي تولي اهتماماً لمنطقة سيناء منذ عام 1948 م وسعت في كل مخططاتها أن تكون هناك منطقة فاصلة بينها وبين مصر لما كانت تمثله مصر من تهديد لوجودها وستسعى إسرائيل إلى تحويل الانفجار السكاني في قطاع غزة المتوقع حدوثه بحلول 2020م تجاه مصر بدلاً من الأراضي المحتلة عام 1948م وهذا ما كان يشغل الباحثين الإسرائيليين في مؤتمر هرتسليا عام 2004 و كانت تميل إلى حل قضية فلسطين عبر سيناء، أضافة إلى ذلك لن تخرج نتائج العملية العسكرية عن سابقاتها على الصعيد المحلي للسكان بل ستزيد من انضمام الشبان السيناويين إلى التنظيمات الجهادية وستصبح سيناء لهيباً مشتعلاً وستشكل حالة من الاستنزاف لقوات الجيش في معارك مع الأهالي لن يخرج منها منتصراً وسيغرق في وحل سيناء للبحث عن هذا الانتصار فتجربة عام ماضي تعزز أن لا حلول أمنية في سيناء.


معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية
مؤسسة إبداع للأبحاث والدراسات والتدريب
غزة - فلسطين


تحميل الملف المرفق

التعليقات